ثم يأتي الدور على ما بعد الإفطار، حيث تبدأ "العبادة الحقيقية": ماراثون المسلسلات الرمضانية! روتين مقدس لا يقبل التأجيل، حتى بات البعض يضبط جدول عباداته على توقيت الإعلانات والفواصل، الصلاة؟ بين إعلان وإعلان .. التراويح؟ ربما بعد الحلقة الأخيرة .. الخشوع؟ نؤجله إلى ليلة السابع والعشرين، فالمهم العبرة بالخواتيم!
طبعا هذه هي الأجواء أو الوضع الرمضاني في كل بيت، حتى تكاد تتساءل: هل نصوم لنأكل، أم نأكل لأننا صائمون؟!
أما القرارات المهمة والالتزامات الضرورية، فقد أصبح رمضان أعظم مبرر لتأجيلها: الحمية الغذائية؟ بعد العيد، إصلاح السيارة؟ بعد العيد، حتى الديون؟ "إن شاء الله بعد العيد"، وكأن العيد سيأتي حاملا عصا سحرية تحل بها جميع المشكلات المتراكمة! لكن العيد يأتي ويرحل، وتذوب معه الوعود كما تذوب آخر حبة معمول، فلا يتبقى سوى انتظار عيد آخر نعلق عليه أحلامنا المؤجلة.
ألم يكن الصيام درسا في التقشف وضبط النفس؟ ألم يكن فرصة للروح كي تسمو فوق شهواتها؟ كيف تحول إلى موسم استهلاكي بامتياز، تتضخم فيه العادات وتنفجر فيه الميزانيات، بينما تغيب القلوب عن جوهر العبادة؟ الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو تدريب على الاعتدال على كبح الإسراف وعلى ضبط الغضب وترك الغفلة.
الإسلام دين التوازن، ورمضان ليس مجرد مناسبة اجتماعية تمتلئ بالموائد والمسلسلات والكسل، بل هو فرصة لإعادة النظر في عاداتنا وسلوكياتنا، فقبل أن نلقي باللائمة على الزمان أو المجتمع، علينا أن نسأل أنفسنا: هل هذا هو الصيام الذي أراده الله، أم أننا صنعنا صياما على مقاس رغباتنا؟
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات