الربابعة يكتب: عبد الرؤوف الروابدة .. حارس الذاكرة ومعلم الهوية الأردنية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11526
الربابعة يكتب: عبد الرؤوف الروابدة ..  حارس الذاكرة ومعلم الهوية الأردنية
د.سيف الدين أحمد علي الربابعة

د.سيف الدين أحمد علي الربابعة

في زمن تتسارع فيه الأحداث و تتشابك فيه الروايات، و تتعرض فيه الهويات الوطنية لموجات من العبث و التشويه، تبرز الحاجة الملحة إلى حراس للذاكرة يكونون بمثابة بوصلات ترشد الأجيال الشابة إلى فهم من هم، وإلى أين ينتمون. في الأردن، يعتبر دولة عبد الرؤوف الروابدة أحد أبرز هذه الشخصيات الوطنية التي كرست خبرتها لتسليط الضوء على السردية الأردنية، ليس كمجرد حكايات تروى، بل كمنهج حياة يحدد الهوية ويعمق المواطنة ويغرس الفخر بالانتماء.
لطالما عانت السردية الوطنية الأردنية، كغيرها من سرديات الدول الصغيرة في محيط إقليمي مضطرب، من محاولات الطمس أو التهميش أو إعادة الصياغة وفق أجندات خارجية. يأتي دور مفكر وطني مخضرم مثل الروابدة، الذي أدرك مبكرا أن المعركة الحقيقية هي معركة الوعي، وأن بقاء الدولة و استقرارها لا يعتمدان فقط على قوتها العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضا على قوة سرديتها وتماسك نسيجها المجتمعي حولها.
الروابدة، برصيده السياسي الطويل الذي امتد ليشغل فيه مناصب سيادية عليا لم ينظر إلى السردية الأردنية على أنها مجرد خطابات سياسية جوفاء. بل تعامل معها كمشروع وطني متكامل، يستند إلى حقائق تاريخية و وثائقية، و يركز على اللحمة بين القيادة الهاشمية والشعب، وعلى الخصوصية الأردنية التي تستمد قوتها من انفتاحها العربي والإسلامي دون أن تذوب فيه.
مشروع الروابدة الفكري والوطني ركز بجوهره على فئة الشباب. فهو يدرك أن الشباب هم مستقبل الأردن، وأنهم الأكثر عرضة للتأثر بالروايات المغلوطة والخطابات الإلكترونية المسمومة التي تستهدف زعزعة الثقة بالدولة ومؤسساتها من خلال مقابلاته التلفزيونية، ولقاءاته المباشرة مع الشباب في الجامعات والمنتديات الثقافية، وكان حرص الروابدة على إعادة سرد التاريخ الأردني الحديث بطريقة واضحة ومباشرة، مسلطاً الضوء على محطات فارقة في بناء الدولة، ودور الأردنيين في الدفاع عن قضايا أمتهم، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ولكن من منطلق ثابت يحافظ على المصالح الوطنية العليا.
إضافة الى ذلك، يمتلك الروابدة قدرة فائقة على تفنيد الشائعات والأكاذيب التي تستهدف النسيج الوطني، مستخدماً المنطق والحجة التاريخية، مما يكسب الشباب مناعة فكرية ضد محاولات الاختراق. ولم يقتصر طرح الروابدة على الجانب التاريخي، بل يمتد ليشمل مفهوم المواطنة الفاعلة. فهو يدعو الشباب إلى المشاركة الإيجابية في الحياة العامة، وتحمل المسؤولية، والإيمان بأن الانتماء الحقيقي يتجلى في العمل والبناء وليس فقط في المشاعر. يربط بين الفخر بالهوية وبين الواجبات تجاه الوطن، مؤكداً أن الأردن القوي يصنعه أبناؤه المخلصون.
الربط بين الأصالة والمعاصرة في خطاب الروابدة، يمثل نموذجاً حياً للشخصية الأردنية القادرة على الجمع بين الأصالة والتراث، وبين الحداثة والانفتاح على العالم. هذا النموذج يلهم الشباب ليكونوا منتمين لهويتهم دون أن يكونوا منغلقين، ومنفتحين على العصر دون أن يكونوا مقلدين تائهين.
إن إسهام الروابدة في ترسيخ السردية الأردنية يتجاوز كونه تثقيفا تاريخيا؛ إنه بناء نفسي ومعنوي لجيل كامل. فالشاب الذي يعرف عمق جذوره، ويدرك التضحيات التي تم بذلها ليبقى هذا الوطن آمنا مستقلا، ويستوعب خصوصية النموذج الأردني في التعايش والتسامح والاعتدال، يصبح أكثر تحصينا ضد دعوات اليأس والإحباط، وأكثر قدرة على الإبداع والعطاء.
إن الاستثمار في عقول شبابنا من خلال السردية الأردنية هو الاستثمار الأذكى والأبقى. هي دعوة لكل أكاديمي وتربوي ومثقف بأن نكون نحن رواة هذه السردية، لنغرس في كل بيت ومؤسسة بذور الفخر والاعتزاز، ولنبني جيلاً يرى في الأردن وطنا لا يضاهى، وتاريخاً يستحق أن يُروى بكل فخر.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم