د. مفضي المومني يكتب: أمي… حين يصارع القلب وجعه .. !

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 27949
د. مفضي المومني يكتب: أمي… حين يصارع القلب وجعه .. !
د. مفضي المومني

د. مفضي المومني

اكتب عن أمي في محنتها ومرضها… واستحضر امهاتنا العظيمات جميعاً…
منذ أسبوع، وأمي التسعينية ترقد في العناية الحثيثة، في مستشفى الملكة علياء- الخدمات الطبية الملكية، صرح جيشنا العربي… بكوادره المميزة وخدماته العظيمة، ممتنون لهم ولتميزهم وطيب معاملتهم.. وهم مصدر فخر لنا جميعاً...جزاهم الله كل خير.

ما زالت أمي تصارع المرض، ونصارع معها وجعها، وليس لنا حيلةً إلا الدعاء، ونعاقر خوفاً لا يعرفه إلا من يرى أمه بين أيدي الأطباء، ووحشة الأجهزة وأصواتها التي تنذر بالخوف وتبدد الطمئنينة، وتمنياتنا أن نستطيع أخذ بعضاً من ألمها، أو أن نمنحها شيئاً من عافيتنا...لنوفيها بعضاً من دين لا يوفى...ويبقى إيماننا أن الله قادر على كل شيء.
..

امي سنديانة عجلونية شامخة بعبق تراب الارض.. وشموخ جبال عجلون.. لم تتخرج من مجتمع المخمليات.. ولا مجتمعات تمكين المرأة… ولم ترتدي إلا الشرش والشنبر.. والحطة المقصبة السوداء والحمراء… والتفحت الشماغ الاحمر على شرش المخمل الاسود فزادت الجمال جمالاً..والبهاء بهاءً...ولم تعرف إلا العطاء والتفاني والبذل في حياتها… مثل كل امهاتنا الصابرات العظيمات.
عشنا بداية حياتنا في عمان.. ورحلنا إلى بلدتنا الوادعة صخره- عجلون في منتصف ستينيات القرن الماضي… عشنا حياة الريف الاردني ببساطته وقساوته… وقلة ذات اليد… كانت يدها بيد أبي تفلح الارض.. وتجني المحصول… من قمح وشعير وعدس.. وغيره… وكرم عنب ومونة البيت من الزراعة الصيفية.. كانت تخبز الطابون.. وتربي الدجاج وحيوانات البيت.. وتوفر وتخزن مونة البيت.. وترعى ابنائها العشرة ..خمسة شباب وخمس بنات…
وفي عنفوان شبابهم.. انتقل والدي للرفيق الأعلى سنة 1979… فكبر الحمل عليها… لكنها كانت اكبر منه… ربتنا علمتنا… فتحت لنا طريق الحياة والنجاح… وفوق هذا كانت وزارة صحة قروية بحالها… ولَدّت المئات من ابناء بلدتنا… واذكر أن مجنزرات الجيش كانت تأتي لبيتنا في الثلوج لتأخذ أمي لتوليد سيدات قريتنا… وكانت تغسل ميتات بلدتنا إلى عهد قريب… حين أخذ منها العمر والتعب… وكانت تعالج النساء للحمل وربنا ياخذ باليد( على منتكال الله كما كانت تبوح بفطرتها… أي بالاتكال على الله) وعالجت الأطفال… (تبعيج… طنطيف.. وغيره).. بطب شعبي محفوف بنوايا خالصة.. وتوكل على الله… وكان الله (يوخذ بالإيد.. أي يشفي بطريقتها)… هذه أمي قصة عمر… وعطاء وتفاني… ولا أنسى جبل الصبر فيها حين فقدت إبنها حسين عن 26 عاماً هو وزوجته وطفله الوحيد في حادث باص النعيمة 1994، وإبنها المهندس حسن وكان مديراً فنياً في شركة نقُل، بحادث سير عن 36 عاماً عام 2009… وبقيت صابره مؤمنة محتسبة…هذه أمي ومثلها أمهاتنا المكافحات الصابرات العظيمات في كل بلداتنا وفي وطننا الحبيب…

انهن صانعات الحياة والرجال.. وهن اميات لم يدخلن إلا مدارس الحياة والعطاء.. لهن العمر ولمن رحلن الرحمة.
هذا بعض من وفاء… وبعض من دين لن نستطيع أن نوفيه.. يا امي ويا كل امهاتنا.
امي هي الحب والأمان، واليد التي تعطي بلا حساب، والقلب الذي يتسع لأبنائه مهما أثقلته الهموم.

كانت أمومتها صبراً وتضحية وحناناً وعطاءً لا ينتظر مقابلاً. صنعت من تفاصيل الحياة البسيطة ذكريات لا تُنسى، ومن تعبها راحة لنا، ومن دعائها سنداً يرافق خطواتنا. كبرتُ وتبدلت أحوال الدنيا، لكنني أمام مرضها أعود طفلاً يبحث عن أمه، ويتمنى سماع صوتها ورؤية عافيتها والاطمئنان إلى أنها ستعود ألينا...

كانت في بيتنا قلباً نابضاً وحركةً لا تهدأ؛ تستيقظ للفجر قبل الجميع وتنام بعد أن تطمئن أن الجميع حولها. حملت مسؤوليات الحياة بصمت، وربّت أبناءها على المحبة والكرامة والاعتماد على النفس، وكانت عنوان أفراحنا وأحزاننا ونجاحاتنا وخطانا في الحياة. لم تكن أماً فحسب، بل رفيقة أيامنا ومستودع لا ينضب ننهل منه القوة والثقة والعزيمة حين تخوننا المواقف والأنواء… والأيام.

جعلت من بيتنا مدرسة للمحبة والصبر، ومن مائدتنا الصغيرة البسيطة مساحة للكرم والاحتواء. زرعت فينا صلة الرحم واحترام الكبير والعطف على الضعيف، وعلّمتنا أن قيمة الإنسان بما يقدمه لا بما يملكه. كم أخفت تعبها كي لا نقلق، وكم ابتسمت وهي تحمل هموماً كثيرة، وكم رفعت لنا من دعوة في الغيب وما زالت حتى في مرضها لسانها يلهج بالدعاء، (الله يرضى عليكوا… الله يوفقكوا.. ) فتحملنا حتى في مرضها وضعفها…ديون أخرى، ودعوات الأم طوق نجاة يحمينا من عثرات الزمان...ونتفيء به أمان وسكينة وعزم…

يا أمي، لا أعرف كيف أكتب عنك والوجع يسكن الكلمات، ولا كيف أصف خوفنا عليك، وأنتِ مصدر طمأنينتنا. نقف عاجزين إلا من الدعاء، متعلقين برحمة الله، نرجوه أن يكتب لك الشفاء ويردّك إلينا سالمة معافاة.

عشنا معك أجمل ما في العمر؛ دفء حضورك وحكاياتك ونصائحك وحرصك علينا مهما اشتدت الأيام. كنتِ سنداً لا يميل، وصوتاً للحكمة، ويداً تمتد قبل أن نطلبها. وما زلنا، مهما كبرنا، نحتاجك بيننا كما يحتاج البيت إلى نوره والروح إلى طمأنينتها.

اللهم يا واسع الرحمة، إشفِ أمي، وألبسها ثوب الصحة والعافية، وخفف عنها ألمها، واجعل ما أصابها رفعةً في درجاتها، وأقرّ أعيننا بعودتها إلينا ولأحبابها...فبرها نعمة نرجوها ونستجديها…

أمي…تخونني العبرات… ويتعثر الكلام أمام بهاء وجهك وحضورك.. ومعاناتك… في القلب والوجدان كلام كثير، وفي العمر أمنيات كثيرة، وأولها وأكبرها أن يمنحكِ الله عمراً مديداً وصحةً وعافية إنه على كل شيء قدير .

اللهم احفظ أمهاتنا، وارحم من رحل منهن، فأنت الشافي ورحمتك وسعت كل شيء.
دعواتكم لوالدتي ولكل امهاتنا بالشفاء والصحة والعمر، فلعل دعوة صادقة من قلب محب تبلغ السماء، وتكون سبباً في عودتها إلينا سالمة.
حمى الله امهاتنا… وحمى الله الاردن.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم