امل خضر تكتب: حين يقود الضجيج المشهد من سرق البوصلة من المجتمع؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 12655
امل خضر تكتب: حين يقود الضجيج المشهد من سرق البوصلة من المجتمع؟
امل خضر

امل خضر

المشكلة لم تعد في وجود "الترند" بحد ذاته، فالتفاعل مع الأحداث جزء طبيعي من حياة المجتمعات الحديثة. المشكلة الحقيقية بدأت عندما تحوّل الترند من مجرد انعكاس لاهتمامات الناس إلى سلطة خفية تعيد تشكيل تلك الاهتمامات، وتفرض أولوياتها على الوعي العام. أصبح المعيار بسيطًا وخطيرًا في آن واحد من يصرخ أكثر، يحضر أكثر، ومن يثير الجدل أكثر، يحصد الاهتمام الأكبر.

في كل يوم تتراجع القضايا الحقيقية خطوة إلى الخلف، بينما يتقدم الضجيج إلى الواجهة. البطالة التي تقلق آلاف الأسر، وغلاء المعيشة الذي يضغط على جيوب المواطنين، وفرص الشباب التي تتآكل تحت وطأة الانتظار، وجودة التعليم، وتحديات الاقتصاد والاستثمار، كلها ملفات تمس حياة الناس ومستقبلهم بشكل مباشر. ومع ذلك كثيرًا ما تجد نفسها مزاحة إلى الهامش أمام معارك عابرة وصراعات افتراضية لا تترك خلفها سوى مزيد من الانقسام والتوتر والاستقطاب.
لقد أصبح جزء من الخطاب العام أسيرًا لما يمكن تسميته بـ"اقتصاد المشاهدات" حيث تُقاس قيمة الفكرة بعدد المتابعين لا بعمقها وتُمنح المساحة الأكبر لما يثير الانفعال لا لما يضيف فهمًا، ولمن يجيد صناعة الضجة لا لمن يمتلك الرؤية والحلول. وهنا تبدأ المشكلة الأخطر عندما تتحول المنصات من أدوات للمعرفة إلى مصانع للانفعال ومن ساحات للحوار إلى أسواق للمزايدات ومن فضاءات للنقاش المسؤول إلى مسارح مفتوحة للاستعراض.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح وجرأةمن المستفيد من مجتمع منشغل بالضجيج أكثر من انشغاله بالحلول؟
عندما ينشغل الناس بمعركة جديدة كل صباح تضيع القدرة على المتابعة والمساءلة والتفكير الهادئ. يصبح الرأي رد فعل سريعًا ويصبح الحكم على الأحداث لحظيًا وتُستبدل الحقائق بالانطباعات والوقائع بالعناوين الصاخبة والتحليل العميق بمقاطع قصيرة مصممة لإثارة الغضب أو الدهشة أو السخرية.
ليس الخطر في اختلاف الآراء، فالمجتمعات الحية تُبنى بالتنوع والحوار وتبادل وجهات النظر. الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول الجدل إلى غاية بحد ذاته وعندما تصبح الإثارة صناعة قائمة على استنزاف أعصاب الناس وثقتهم بكل شيء. عندها لا يعود الهدف البحث عن الحقيقة، بل تحقيق الانتشار ولا يصبح المهم ما يُقال بل حجم الضجيج الذي يرافقه.
وحين تتكرر هذه الحالة يومًا بعد يوم، تتعرض منظومة الوعي العام لتآكل بطيء وخطير يفقد الناس القدرة على التمييز بين ما هو أساسي وما هو هامشي، وبين ما يستحق النقاش وما يُصنع خصيصًا لجذب الانتباه. وتتحول القضايا المصيرية إلى أخبار عابرة، بينما تتحول القضايا المصنوعة إلى أحداث وطنية كبرى.
الأردن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج، بل إلى مزيد من التفكير. يحتاج إلى نقاشات جادة حول الاقتصاد وفرص العمل والاستثمار والإدارة والكفاءة والعدالة الاجتماعية وتطوير الخدمات العامة. يحتاج إلى خطاب يعترف بالمشكلات دون تهويل، ويرى الإنجازات دون مبالغة، ويوازن بين النقد المسؤول والانتماء الحقيقي.
فالأوطان لا تنهكها الأزمات وحدها بل ينهكها أيضًا التآكل البطيء للوعي العام عندما يصبح التشكيك عادة والانفعال ثقافة والضجيج مصدرًا للمعلومة وتتحول ردود الأفعال إلى بديل عن التفكير.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي مجتمع ليس الفقر ولا الأزمات الاقتصادية ولا حتى التحديات السياسية بل أن يفقد قدرته على رؤية ما يحدث أمامه بوضوح. فحين ينجح الضجيج في احتلال الوعي تصبح القضايا الكبرى مجرد خلفية باهتة لمشهد صاخب لا ينتهي. وعندما يُقاس وزن الأفكار بعلو الصوت لا بعمق المعنى، تبدأ الأمم بخسارة أثمن ما تملك قدرتها على التمييز.
عندها لا يكون السؤال من تصدر الترند اليوم ولا من كسب جولة الجدل الأخيرة بل سؤال أكثر خطورة وإيلامًا
هل ما زلنا نقود وعينا بأنفسنا، أم أن هناك من نجح في سرقة البوصلة وتركنا نركض خلف الضجيج بينما تتراكم القضايا الحقيقية بصمت؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم