الصلاحين يكتب: وراء كلِّ حجرٍ مُلقى ,يدٌ خفية"

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 11330
الصلاحين يكتب: وراء كلِّ حجرٍ مُلقى ,يدٌ خفية"
الدكتور علي الصلاحين

الدكتور علي الصلاحين

"وراء كلِّ حجرٍ مُلقى ,يدٌ خفية"فاالعقول المستأجرة لا تصنع حقًا الدكتور علي الصلاحين ليس كل ما يُقال عن الإنسان يُولد من حقيقة، ولا كل ما يستقر في أذهان الناس جاء نتيجة معرفة. فثمة عقول لا تبحث عن النور، بل عن الظلال، وثمة نفوس تجد في تشويه الآخرين وسيلةً لتجميل صورتها. ومن هنا تبدأ الحكاية؛ لا بكذبة كبيرة، وإنما بهمسة صغيرة، تتناقلها الألسن حتى تُلبس الباطل ثوب الحقيقة، ويغدو الوهم عند كثيرين يقينًا لا يقبل النقاش. وليس أخطر ما في الظلم أن يقع، بل أن يجد من يحمله على أكتافه دون أن يسأل: لماذا؟ فالمحرِّض لا يربح معاركه بقوته، وإنما بضعف بصيرة الآخرين. إنه لا يتقدم إلى الميدان، بل يدفع غيره إليه، ويظل مختبئًا خلف الكلمات التي زرعها، حتى إذا اشتعلت الخصومة وقف بعيدًا يتأمل النار التي أوقدها، وكأنه لم يمسها بعود ثقاب. ولذلك كان بعض الناس أشبه بلاعبي الشطرنج؛ لا ينظرون إلى البشر بوصفهم أرواحًا وكرامةً ومشاعر، وإنما بوصفهم قطعًا تتحرك وفق الحاجة. يقدِّمون أحدهم إذا اقتضت المصلحة، ويضحون بآخر إذا انتهى دوره، ثم يبحثون عن قطعة جديدة تملأ الفراغ. أما القطع نفسها، فلا تكتشف أنها كانت مجرد وسيلة إلا بعد أن تُلقى خارج الرقعة، عندما تنتهي اللعبة. وما أكثر الذين خسروا أنفسهم لأنهم تنازلوا عن حقهم في التفكير. اكتفوا بما سمعوا، ولم يتعبوا أنفسهم في معرفة الحقيقة، فخاصموا أبرياء، وأحبوا مزيفين، ووقفوا في صفوف لم يختاروها بعقولهم، بل اختارتها لهم أهواء غيرهم. وما أشد خسارة الإنسان حين يعير عقله لغيره، ثم يظن أنه يمارس حريته. لقد أراد القرآن أن يبني الإنسان قبل أن يبني المجتمع، فجعل التثبت خلقًا، والعدل منهجًا، والإنصاف عبادة، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. لأن الحضارات لا تهدمها الجيوش وحدها، وإنما تهدمها أيضًا الكلمات الكاذبة حين تجد آذانًا لا تتثبت، وقلوبًا تستعجل الأحكام. ومن علامات النضج أن يدرك الإنسان أن الحقيقة ليست موظفةً عند الناس لتستأذنهم في الظهور. فكم من بريء اتُّهم ثم أنصفه الزمن، وكم من مدعٍ صفق له الناس ثم كشفته الأيام. والزمن، في كثير من الأحيان، أعدل من ضجيج المجالس، لأنه لا يجامل أحدًا، ولا يخشى أحدًا. وليس مطلوبًا من الإنسان أن يطوف على القلوب ليصحح صورته عند الجميع، فهذه معركة خاسرة منذ بدايتها. إن من يريد أن يفهمك سيمنحك فرصة، ومن يريد أن يسيء فهمك سيجد ألف سبب لذلك، ولو تكلمت حتى ينفد الكلام. ولهذا كانت راحة النفس في كثير من الأحيان ثمرة الصمت الحكيم، لا ثمرة الجدل الطويل. إن الذين يملكون القيم لا ينشغلون بإثباتها كل يوم، لأن الشجرة لا تقنع الناس بأنها مثمرة، وإنما تترك ثمارها تتحدث عنها. وكذلك الإنسان؛ أخلاقه أبلغ من دفاعه، وأفعاله أصدق من خطاباته، والزمن كفيل بأن يرفع الأقنعة عن الوجوه، ويعيد لكل إنسان صورته الحقيقية. أما المحرِّضون، فإنهم وإن نجحوا في جمع الأتباع، فلن ينجحوا في صناعة الوفاء. فمن اعتاد أن يستخدم الناس أدواتٍ، سيجد نفسه يومًا وحيدًا، لأن من يبيع غيره اليوم سيبيعهم غدًا، ومن يعيش على صناعة العداوات لا بد أن يصبح أسيرًا لها. ولذلك، فإن الحرية الحقيقية ليست أن تنتصر على خصومك، وإنما أن تنتصر على حاجتك الدائمة لتبرير نفسك. وأن تدرك أن قيمتك لا يمنحها تصفيق الناس، ولا ينتقصها افتراؤهم، بل يصنعها صدقك مع الله، واستقامتك مع نفسك، وعدلك مع الآخرين. وحين تبلغ هذه المنزلة، ستدرك أن بعض المعارك لا تُربح بالدخول إليها، بل بالسمو عنها. وأن بعض الأصوات لا تستحق جوابًا، لأن الصدى لا يناقش الصوت، وإنما يختفي عندما يسكت صاحبه. ويبقى في نهاية المطاف قانون لا يتخلف: أن اليد التي تحرّك الأحجار من وراء الستار قد تؤخر انكشافها، لكنها لا تستطيع أن تمنعه. وأن الذين قبلوا أن يكونوا بيادق في رقعة غيرهم سيكتشفون، ولو بعد حين، أنهم لم يكونوا يومًا أصحاب قرار، بل كانوا وقودًا لمعركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل. أما الحقيقة، فإنها قد تتأخر، لكنها لا تضيع، وقد تصمت، لكنها لا تموت.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم