ميساء الزعبي تكتب: بين الحلم والواقع

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 14162
ميساء الزعبي تكتب: بين الحلم والواقع
ميساء خالد محمد الزعبي

ميساء خالد محمد الزعبي

بين الحلم والواقع... حين تعلّمنا "الليالي البيضاء" كيف نغادر على ضفاف نهر نِيفا، حيث تتداخل حدود الحلم مع الواقع، رسم فيودور دوستويفسكي في روايته "الليالي البيضاء" صورةً خالدة للإنسان الذي يمنح قلبه للأمل، ويعيش على احتمالات اللقاء أكثر مما يعيش على اللقاء نفسه. لم تكن الرواية مجرد قصة حب عابرة، بل كانت تأملاً عميقًا في هشاشة الإنسان حين يعلّق حياته على انتظار قد لا يكتمل. تلك الحكاية، رغم انتمائها إلى القرن التاسع عشر، لا تزال تتكرر بأشكال مختلفة في حياة كثيرين. فكم من إنسان بنى سنوات عمره على وعدٍ مؤجل، أو على شعورٍ ظنّه قدرًا، حتى أصبح الانتظار أسلوب حياة، والأمل عبئًا يتوارثه القلب يومًا بعد يوم. كنت أرى نفسي في ذلك البطل الحالم؛ أراقب الزمن كما يراقب النهر جريانه، مؤمنًا بأن لكل انتظار نهايةً سعيدة، وأن الغياب ليس إلا تمهيدًا لحضور أكثر اكتمالًا. لكن الواقع، كما في كثير من الأحيان، لا ينحاز إلى ما نتمناه، بل إلى ما هو كائن. لم تكن الحكاية أربع ليالٍ كما صوّرها دوستويفسكي، بل امتدت لأربع سنوات كاملة من الترقب، والتعلّق، ومحاولة إقناع النفس بأن ما يتأخر لا بد أن يأتي. غير أن الزمن كشف، بهدوئه المعتاد، أن بعض الانتظارات لا تقود إلى اللقاء، وإنما تقود إلى اكتشاف الحقيقة. وحين جاء اللقاء أخيرًا، لم يكن كما رسمته الذاكرة ولا كما صاغه الخيال. بدا مجرد مشهدٍ باهت، خلت ملامحه من حرارة الشوق، وغابت عنه تلك الحياة التي كانت تمنحها له الأحلام. عندها أدركت أن الزمن لا يغيّر الأشخاص فحسب، بل يغيّر أيضًا المشاعر التي كنا نظنها عصية على التحول. ثمة لحظة في حياة الإنسان لا يكون فيها الانسحاب هزيمة، بل يصبح أعلى درجات النضج. لحظة يدرك فيها أن الكرامة لا تتعارض مع الحب، وأن الوفاء لا يعني البقاء في مكانٍ يستنزف الروح. فالتمسك بما انتهى لا يغيّر نهايته، وإنما يطيل أمد الألم. لهذا، لم يكن الابتعاد قرارًا اتخذته بدافع اليأس، بل نتيجة مصالحة صادقة مع الذات. أدركت أن بعض الأبواب، مهما انتظرنا أن تُفتح، خُلقت لتظل مغلقة، وأن بعض الأشخاص يصبحون جزءًا من ذاكرتنا، لا من مستقبلنا. وستبقى الذكرى حاضرة، لا باعتبارها وعدًا مؤجلًا أو حلمًا قابلًا للعودة، بل بوصفها شاهدًا على مرحلة إنسانية عشناها بكل ما فيها من صدق وضعف وأمل. فالذكريات، مهما كانت مؤلمة، تظل جزءًا من تشكيل وعينا، وتمنحنا القدرة على فهم أنفسنا بصورة أعمق. لعل أعظم ما تمنحه لنا التجارب العاطفية ليس استمرارها، بل الدرس الذي تتركه في أعماقنا. فهي تعلّمنا أن الحب الحقيقي لا ينبغي أن يكون سببًا في فقدان الذات، وأن الانتظار لا يصبح فضيلة حين يتحول إلى استنزاف، وأن الشجاعة الحقيقية ليست في التشبث بما يرحل، بل في امتلاك القدرة على المضي قدمًا. في النهاية، لم تكن الرحلة بحثًا عن شخص بقدر ما كانت رحلة للعودة إلى النفس. وعندما تنقشع غشاوة الحلم، يكتشف الإنسان أن أثمن ما يمكن أن يسترده بعد كل خيبة، ليس من رحل، بل ذاته التي كادت تضيع وهو ينتظر.

ميساء خالد الزعبي
Alzaabimais@gmail.com
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم