الخوالدة يكتب: الدولة الأردنية: التواصل والاحتواء والحصانة المجتمعية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 10412
 الخوالدة يكتب: الدولة الأردنية: التواصل والاحتواء والحصانة المجتمعية
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

في منطقة شهدت خلال العقود الأخيرة حروبًا وصراعات وتحولات سياسية واقتصادية وأمنية متسارعة، استطاع الأردن أن يحافظ على قدر كبير من التماسك والاستقرار المجتمعي. ولم يكن ذلك نتاج ظرف عابر أو عامل منفرد، بل نتيجة تراكم طويل من السياسات والمؤسسات والقيم والعلاقات الاجتماعية التي أسهمت في بناء ما يمكن تسميته بـ "الحصانة المجتمعية".

والحصانة المجتمعية لا تعني غياب المشكلات أو التحديات، فكل المجتمعات تواجه تحدياتها الخاصة، وإنما تعني امتلاك القدرة على الاحتواء والتكيف والمعالجة والمحافظة على السلم الأهلي والتماسك الوطني في مواجهة المتغيرات الداخلية والخارجية.

ومن خلال قراءة التجربة الأردنية يمكن ملاحظة أن أحد أهم أسرار نجاحها يتمثل في تعدد دوائر الاحتواء المجتمعي وتكاملها. فالمجتمع لا تحميه مؤسسة واحدة، وإنما تحميه شبكة متكاملة من المؤسسات والقيم والعلاقات الإنسانية التي تعمل معًا بصورة متوازنة.

فكانت الأسرة الأردنية وما تزال الدائرة الأولى في بناء الإنسان، من خلال ما رسخته من قيم التكافل والتراحم والانتماء وتحمل المسؤولية. كما شكلت المدرسة دائرة احتواء ثانية، لم يقتصر دورها على التعليم الأكاديمي، بل امتد إلى بناء الشخصية وتعزيز قيم المواطنة والعمل الجماعي والانضباط واحترام القانون.

أما الجامعات الأردنية فقد تجاوز دورها منح الشهادات الأكاديمية لتصبح بيئة للحوار والتفاعل الثقافي والاجتماعي والفكري. فالجامعة ليست محطة تعليمية فحسب، بل فضاء يلتقي فيه الشباب القادمون من مختلف المحافظات والخلفيات الاجتماعية، بما يسهم في توسيع آفاق التفكير وتعزيز ثقافة التعايش وفهم التنوع داخل المجتمع الواحد.

كما أدركت الدولة مبكرًا أهمية استثمار طاقات الشباب وعدم تركها عرضة للفراغ أو الإحباط، فشهدت المملكة توسعًا في الأنشطة الرياضية والثقافية والكشفية والفنية والتطوعية والبرامج اللامنهجية التي تسهم في تنمية المهارات وتعزيز روح المبادرة والعمل الجماعي والقيادة. فهذه البرامج لا توفر الترفيه فحسب، بل تمثل أدوات وقائية تسهم في بناء الشخصية السوية وتعزيز الانتماء والإنتاجية.

وفي هذا السياق برزت المبادرات الملكية ومبادرات سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد بوصفها استثمارًا مباشرًا في الشباب وتمكينهم وإشراكهم في الحياة العامة ودعم الريادة والابتكار والعمل التطوعي، بما يعزز الثقة بالنفس ويمنح الشباب فرصة حقيقية للمشاركة في صناعة المستقبل.

كما شكلت المؤسسات الدينية دائرة احتواء مهمة في المجتمع الأردني. فقد قامت وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية من خلال مراكز تحفيظ القرآن الكريم والدورات الشرعية والنوادي الصيفية والبرامج التربوية بدور فاعل في تعزيز قيم الاعتدال والتسامح والتكافل وضبط النفس واحترام الآخرين. وهي قيم تتقاطع مع ما تؤكد عليه الدراسات النفسية الحديثة حول أهمية الضبط الذاتي والانتماء الاجتماعي في تعزيز الاستقرار المجتمعي.

ومن الجوانب التي تستحق التوقف عندها استمرار حضور القيادات الاجتماعية والوجهاء والشخصيات الوطنية وأصحاب المبادرات في الحياة العامة. فهذه القيادات تمثل رأس مال اجتماعيًا مهمًا يسهم في حل الخلافات وتقريب وجهات النظر وتعزيز ثقافة الحوار والمسؤولية المشتركة، بما يدعم السلم الأهلي ويحد من التوترات الاجتماعية.

كما يؤدي الحكام الإداريون دورًا مهمًا في تعزيز هذا النهج من خلال تواصلهم المباشر مع المواطنين وحرصهم على معالجة القضايا المجتمعية ومتابعة التحديات المحلية والتنسيق مع مختلف الجهات الرسمية والأهلية. وقد أسهم هذا الحضور الميداني في بناء جسور الثقة وتعزيز مفهوم الشراكة بين الدولة والمجتمع.

ويبرز كذلك نهج التواصل الميداني المباشر الذي تبنته مؤسسات الدولة على مختلف المستويات. فالمتابع للشأن العام يلحظ استمرار الزيارات واللقاءات الميدانية التي تشمل المحافظات والبوادي والأرياف والمخيمات، بما يعكس قناعة راسخة بأن فهم الواقع يبدأ من الميدان. ويأتي في هذا السياق الدور الذي يقوم به الديوان الملكي الهاشمي من خلال التواصل المستمر مع مختلف فئات المجتمع، والزيارات الميدانية التي يقوم بها رئيس الديوان الملكي - بتوجيهات ملكية - ولقاءاته مع المواطنين والقيادات المحلية والشبابية وممثلي مؤسسات المجتمع المحلي، بما يعزز الثقة المتبادلة ويسهم في نقل احتياجات المواطنين وتطلعاتهم بصورة مباشرة.

ويبرز كذلك الدور الوطني للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى الذين يمثلون رصيدًا بشريًا وخبرة وطنية متراكمة. فهذه الفئة لم ينته دورها بانتهاء الخدمة العسكرية، بل واصلت الإسهام في العمل الاجتماعي والتطوعي والإرشادي، ونقل قيم الانضباط والمسؤولية والالتزام الوطني إلى الأجيال الجديدة.

كما أن عودة خدمة العلم جاءت لتعزز مجموعة من القيم الإيجابية المرتبطة بالاعتماد على الذات والانضباط والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية واحترام الوقت، وهي قيم تسهم بصورة مباشرة في بناء الشخصية الوطنية وتعزيز الشعور بالواجب تجاه الوطن والمجتمع.

ومن مظاهر النضج المؤسسي في الدولة الأردنية أن عملية التطوير لم تتوقف عند مرحلة بعينها، بل استمرت بصورة متواصلة من خلال مراجعة التشريعات وتحديث الأنظمة وتطوير المؤسسات والاستفادة من النقد البناء بوصفه أداة للتعلم والتحسين. وقد شهد الأردن خلال العقود الماضية توسعًا في وسائل الإعلام ومنصات الحوار والنقاش العام، الأمر الذي أتاح مساحات أوسع للتعبير عن الرأي وتبادل الأفكار وطرح المبادرات والمشاركة في الشأن العام.

ولا يعني الحديث عن الحصانة المجتمعية غياب التحديات المرتبطة بالبطالة أو التحولات الثقافية أو تأثير وسائل التواصل الاجتماعي أو بعض المشكلات السلوكية والاجتماعية التي تواجهها مختلف المجتمعات. إلا أن أهمية الحصانة المجتمعية تظهر تحديدًا في قدرة المجتمع ومؤسساته على احتواء هذه التحديات والتعامل معها ضمن الأطر القانونية والتربوية والاجتماعية والوطنية.

إن التجربة الأردنية تؤكد أن الأمن الحقيقي لا يبدأ من الإجراءات وحدها، بل يبدأ من الإنسان؛ من تعليمه، وقيمه، وصحته النفسية، وشعوره بالانتماء، وإحساسه بأن له دورًا ومكانة وفرصة للمشاركة. فكلما ازداد الاستثمار في الإنسان، ازدادت قدرة المجتمع على مواجهة التحديات والحفاظ على استقراره وتماسكه.

إن الدول لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو بنيتها التحتية، بل بقدرتها على إنتاج مواطن واثق من نفسه، معتز بهويته، قادر على الحوار، ومؤمن بأن له مكانًا ودورًا في وطنه. ومن هذه الزاوية يمكن فهم سر قدرة الأردن على المحافظة على تماسكه واستقراره عبر عقود من التحولات الإقليمية؛ إذ لم يكن الاستثمار في الإنسان خيارًا ثانويًا، بل كان جزءًا أصيلًا من فلسفة الدولة في بناء المجتمع وتعزيز مناعته الوطنية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم