الأردن ليس ساحة مستباحة بقلم: المهندس ثائر عايش مقدادي عندما تصل الصواريخ والمسيّرات الإيرانية إلى الأجواء الأردنية، فإن الأمر لا يعود مجرد امتداد لحرب إقليمية بعيدة عن حدودنا، بل يصبح اعتداءً يمس سيادة المملكة وأمن مواطنيها. الأردن لم يختر هذه الحرب، ولم يكن طرفاً فيها، لكنه في الوقت ذاته لن يسمح بأن يدفع شعبه ثمن صراعات الآخرين، أو أن تتحول سماؤه وأرضه إلى ممر عسكري لصواريخ ومسيّرات لا علاقة للأردنيين بها.
وفي هذه اللحظة يظهر الدور الحقيقي للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، المؤسسة التي تحمل على عاتقها مسؤولية حماية الوطن وسيادته. إن تعامل القوات المسلحة مع التهديدات الجوية التي وصلت إلى المجال الجوي للمملكة يؤكد أن حماية سماء الأردن ليست شعاراً، وإنما قدرة عسكرية حقيقية تقوم على الرصد والجاهزية وسرعة القرار والاعتراض. وما يمتلكه سلاح الجو الملكي الأردني من خبرات وكفاءة، إلى جانب منظومات الدفاع الجوي، يمثل خط دفاع متقدماً عن المواطنين، ويؤكد أن سماء المملكة ليست مكشوفة أمام من يحاول اختبار أمنها. فالقوة العسكرية لا تقاس بعدد الطائرات والمنظومات فحسب، وإنما بقدرة المؤسسة كاملة على اكتشاف الخطر والتعامل معه قبل أن يتحول إلى كارثة. والمواطن الذي بقي آمناً في منزله لا يعني أن الخطر لم يكن موجوداً، بل يعني أن هناك رجالاً كانوا في حالة جاهزية، يعملون بصمت لحماية الناس والمدن والمنشآت. وفي موازاة المعركة في السماء، تدور معركة أخرى على شاشات الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي، وهي معركة التضليل والحرب النفسية. فقد انتشرت مقاطع وصور جرى تقديمها على أنها توثق سقوط الصواريخ الإيرانية داخل الأردن، بينما تبين في حالات مختلفة أن بعضها قديم، وبعضها مصور في دول أخرى، وبعضها جرى التلاعب به أو إنتاجه باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وهذه المواد لا تمت إلى الحقيقة والواقع بصلة، مهما بلغ عدد مرات تداولها أو حجم التفاعل معها. ولذلك يجب أن يدرك الجميع أن ليس كل ما يصور بكاميرا هاتف حقيقة، وليس كل ما ينتشر على وسائل التواصل دليلاً. الحرب الحديثة لا تستهدف الأرض والسماء فقط، وإنما تستهدف وعي الشعوب أيضاً. والفيديو المفبرك قد ينجح في بث الخوف خلال دقائق أكثر مما ينجح فيه صاروخ. ومن هنا فإن إعادة نشر مقطع مجهول المصدر، أو استخدامه لتضخيم الخسائر وإثارة الهلع، يخدم أهداف الحرب النفسية ضد المجتمع الأردني. المطلوب ليس إنكار الخطر الحقيقي، وإنما حماية الحقيقة من التزييف، والعودة إلى المصادر الرسمية والموثوقة قبل تصديق أي مادة متداولة. وفي الوقت نفسه، فإن مواجهة التضليل لا تعني التغطية على الوقائع أو التقليل من خطورة الاعتداءات. الدولة الواثقة لا تحتاج إلى إنكار الخطر، والمواطن الواعي لا يحتاج إلى فيديو مفبرك كي يعرف أن المنطقة تعيش ظرفاً أمنياً بالغ الحساسية. الحقيقة وحدها تكفي، والوقائع يجب أن تُعرض كما هي، بلا تهويل وبلا إنكار. أما الرسالة إلى إيران فيجب أن تكون واضحة وحاسمة: الأردن ليس ساحة لتصفية الحسابات، وليس ممراً للصواريخ، وليس منصة لإرسال الرسائل العسكرية إلى الآخرين. إذا كانت هناك مواجهة بين طهران وخصومها، فليس من حقها أن تجعل الأردن جزءاً منها. المملكة دولة تحترم القانون وتسعى إلى الاستقرار، لكنها في الوقت ذاته تملك الحق الكامل في حماية أجوائها وأرضها ومواطنيها، ولن تقبل أن يصبح أمن الأردنيين ضريبة لصراعات لا علاقة لهم بها. وفي الداخل الأردني، يجب أن يكون الموقف بالوضوح نفسه. الاختلاف السياسي حق، والتعبير عن الرأي حق، لكن تحويل ذلك إلى دعم أو تحريض أو مساعدة فعلية لجهة تستهدف الأردن أمر مختلف تماماً. وكل من يثبت بالأدلة أنه تورط في دعم الاعتداء على المملكة أو تسهيله أو التحريض عليه، يجب أن يخضع للقانون والقضاء دون انتقائية أو استثناءات. فلا أحد فوق القانون، ولا يمكن أن تكون حرية الرأي غطاءً لأفعال تهدد أمن الدولة وحياة المواطنين. وفي قلب هذه الصورة كلها يقف جلالة الملك عبدالله الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي يحمل مسؤولية وطنية وتاريخية في حماية الأردن والحفاظ على أمن شعبه واستقلال قراره. فالملك عبدالله الثاني لم يكن يوماً أمام ظروف إقليمية سهلة؛ الأردن محاط بمنطقة عاشت وما زالت تعيش حروباً وصراعات وانقسامات، ومع ذلك بقيت الدولة الأردنية محافظة على تماسكها واستقرارها وقدرتها على حماية حدودها ومصالحها. إن قيمة القيادة تظهر عندما تكون الخيارات صعبة، وعندما يصبح القرار الوطني محاصراً بضغوط إقليمية ودولية متشابكة. وفي مثل هذه الظروف، فإن الحفاظ على الأردن آمناً ومستقراً ليس مهمة بسيطة، بل مسؤولية تحتاج إلى حكمة سياسية، وصلابة في الموقف، وقدرة على قراءة المشهد قبل اتخاذ القرار. وجلالة الملك، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، يدرك أن أمن الأردن ليس ملفاً سياسياً يمكن تأجيله، وأن حماية المواطن الأردني هي الأولوية التي يجب أن تسبق كل الحسابات. لذلك فإن موقف الدولة الأردنية من أي اعتداء على أراضيها أو أجوائها يجب أن يكون واضحاً: لا نبحث عن الحرب، لكننا لا نسمح لأحد بأن يهدد وطننا، ولا نقبل أن تتحول المملكة إلى ساحة مفتوحة أمام صراعات الآخرين. لقد أثبت الملك عبدالله الثاني عبر السنوات أن الأردن يستطيع أن يقول كلمته ويحافظ على قراره، حتى عندما تكون المنطقة بأكملها تحت ضغط النار. وهذه ليست مجرد قدرة سياسية، بل هي جزء من حماية الدولة؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة صغيرة في منطقة مضطربة هو أن تفقد قدرتها على اتخاذ قرارها بنفسها. والملك الذي يضع أمن الأردن في مقدمة أولوياته يعرف أن قوة الدولة لا تكون بالخطابات وحدها، وإنما بتكامل القيادة السياسية مع المؤسسة العسكرية والأمنية، وبامتلاك جيش قادر على تنفيذ القرار الوطني عندما تفرض الظروف ذلك. ومن هنا تأتي أهمية العلاقة بين القيادة والجيش والشعب؛ علاقة تقوم على الثقة والمسؤولية والانتماء. إن الأردنيين عندما ينظرون إلى جلالة الملك عبدالله الثاني في هذه الظروف، فإنهم يرون قيادة تحمل عبء وطن كامل وسط منطقة لا تعرف الاستقرار. ويرون قائداً يعرف أن الأردن ليس مجرد مساحة جغرافية، بل دولة لها تاريخها وكرامتها وقرارها، وشعب يستحق أن يعيش آمناً على أرضه. ومن واجبنا جميعاً أن ندرك أن الوقوف خلف القيادة في الظروف الصعبة لا يعني التخلي عن النقد أو الرأي، وإنما يعني الاصطفاف عندما يتعلق الأمر بأمن الوطن وسيادته، وأن ندرك أن الأردن لا يحتمل أن يتحول إلى ساحة للمزايدات أو الانقسامات في وقت تتربص فيه به أخطار المنطقة. لقد أثبتت الأحداث أن الاستثمار في الجيش العربي وسلاح الجو الملكي ومنظومات الدفاع الجوي لم يكن ترفاً، وإنما ضرورة وطنية. والأهم أن هذا الجيش يمتلك من الخبرة والانضباط والجاهزية ما يجعله قادراً على أداء واجبه في أصعب الظروف. الأردن لا يريد الحرب، لكنه لا يخاف من الدفاع عن نفسه. لا يبحث عن المواجهة، لكنه لن يسمح لأحد بفرضها عليه. ومن يقرأ هدوء الأردن على أنه ضعف، يخطئ في قراءة هذا البلد وتاريخه وإرادة شعبه. إن الرسالة التي يجب أن تصل إلى الجميع، في الداخل والخارج، هي أن سماء الأردن ليست ممراً لأحد، وأرضه ليست منصة لصراعات الآخرين، وأمن الأردنيين ليس تفصيلاً في حسابات القوى الإقليمية. وفي هذه المناسبة، لا يسعنا إلا أن نرفع أكفنا إلى الله عز وجل بالدعاء لجلالة الملك عبدالله الثاني، وأن يحفظه الله بعنايته، ويمده بالصحة والقوة والحكمة، ويسدد خطاه لما فيه خير الأردن وشعبه، ويعينه على حمل أمانة هذا الوطن، ويحفظه من كل مكروه، ويكتب له في كل قرار رشداً وسداداً وتوفيقاً. اللهم احفظ جلالة الملك عبدالله الثاني، واحفظ ولي عهده الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وكن لهما عوناً وسنداً، واحفظ الأسرة الهاشمية الكريمة، وأدم على الأردن نعمة الأمن والاستقرار والعزة. اللهم احفظ جيشنا العربي، واحفظ ضباطه وأفراده وجنوده، واحمِهم في البر والجو والحدود، وكن معهم في مواقعهم، ورد عنهم كل سوء، وقوِّ عزائمهم، وثبّت أقدامهم، واجعلهم دائماً حصناً منيعاً لهذا الوطن. اللهم احفظ سلاح الجو الملكي الأردني ورجاله، واحفظ طياريه ومنتسبيه، ووفقهم في أداء واجبهم، واجعلهم دائماً قادرين على حماية سماء المملكة ورد كل خطر عنها، وأعد كل جندي وضابط إلى أهله سالماً غانماً. اللهم احفظ الأردن من الفتن والحروب، واحفظ حدوده وسماءه وأرضه، واحفظ شعبه من كل مكروه، واجمع الأردنيين دائماً على المحبة والوحدة والانتماء، وأبعد عن وطننا كل من يريد به شراً. اللهم اجعل الأردن آمناً مطمئناً، واحفظ مدنه وقراه وأهله، وبارك في هذا الوطن وأهله، وأدم عليه الاستقرار والسيادة والكرامة. عاش الأردن، وعاش جيشه العربي، وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني، وحمى الله هذا الوطن من كل سوء.
المهندس ثائر عايش مقدادي
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
03
04
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
المحامي محمد عيد الزعبي يكتب: الأردن يقرأ المشهد مبكراً
منذ 32 دقيقة
كُتاب سرايا
الدكتور علي الصلاحين يكتب: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا؟
منذ 35 دقيقة
كُتاب سرايا
الدكتور علي الصلاحين يكتب: الرجولة تبدأ من الفهم
منذ 41 دقيقة
كُتاب سرايا
د. محمد اللصاصمة يكتب: مَسِيرَةُ الْأَحْزَابِ الْأُرْدُنِيَّةِ .. وَاقِعٌ وَطُمُوحٌ
منذ 47 دقيقة
أخبار فنية
فن
زيد السبايلة يواصل حضوره السينمائي بمشاركات محلية وعربية ودولية
منذ 37 دقيقة
فن
تطور جديد في دعوى منى زكي وكاملة أبو ذكري ضد شاهيناز النجار
منذ 49 دقيقة
فن
أحمد حلمي يحسم موقفه من "سهر الليالي 2" وتامر حبيب يكشف كواليس الجزء الجديد
منذ 1 ساعة
فن
دنيا سمير غانم تتحدث عن والديها وزوجها وخوفها من الانتقادات (فيديو)
منذ 2 ساعة
فن
أسرار التوأم الشامي .. كيف سيفاجئ مهيار خضور عشاق البيئة الشامية؟
منذ 3 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
الأردن يودع منافسات كرة السلة من ربع نهائي الألعاب الآسيوية
منذ 39 دقيقة
رياضة
قرصة أذن .. فليك يمنح نجم برشلونة "درس العمر"
منذ 57 دقيقة
رياضة
بيان صادر عن الاتحاد الاردني لكرة القدم
منذ 1 ساعة
رياضة
بعد أزمة الزلزولي .. مبابي وفينيسيوس وكوناتي يخفون شعار دعم سبتة
منذ 1 ساعة
رياضة
ماذا تعرف عن كلاوديو مارادونا مهاجم الفيصلي الجديد؟
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
تنام في المرآب .. لماذا ترفض والدة إيلون ماسك النوم في بيته؟
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
احتفظ بجثتي والديه في "ثلاجات" بيته لمدة 30 عاما .. رجل فنلندي يواجه القضاء
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
عدد الأشخاص البالغين مائة عام أو أكثر في اليابان يتجاوز 100 ألف لأول مرة
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
3 أشياء افعلها الآن لتعيش شيخوخة أكثر صحة
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
بعد 5 عقود من المواجهة .. تشيلي أول دولة في أمريكا الجنوبية تقضي على داء الكلب
منذ 3 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات