المحامي محمد عيد الزعبي يكتب: الأردن يقرأ المشهد مبكراً

منذ 33 دقيقة
المشاهدات : 7700
 المحامي محمد عيد الزعبي يكتب:  الأردن يقرأ المشهد مبكراً
المحامي محمد عيد الزعبي

المحامي محمد عيد الزعبي

في السياسة والأمن، ليست كل الرسائل التي تصدر عن الدولة موجهة إلى الجمهور فقط، وليست كل الكلمات التي تُقال في المناسبات العامة كلمات عابرة. أحياناً تكون الجملة القصيرة أكثر دلالة من البيان الطويل، خصوصاً عندما تأتي في توقيت إقليمي شديد التعقيد. ومن هنا أقرأ عودة الحديث عن «الأردن أولاً» باعتبارها جزءاً من إعادة ترتيب الأولويات الوطنية في مرحلة تتسارع فيها المخاطر المحيطة بالمملكة. الأردن لا يعيش أزمة منفردة، وإنما يقع في منطقة تتقاطع فيها عدة أزمات في وقت واحد: القضية الفلسطينية، مستقبل الضفة الغربية، القدس، الجنوب السوري، الحدود، تهريب المخدرات، الصراع الإقليمي، والحرب المعلوماتية التي أصبحت قادرة على التأثير في المجتمعات من خلف شاشة هاتف. وهنا تكمن الخطورة. فالتهديد الذي يواجه الأردن ليس بالضرورة أن يأتي على شكل دبابة تعبر الحدود. قد يأتي على شكل مشروع سياسي، أو ضغط اقتصادي، أو موجة لجوء جديدة، أو محاولة لتغيير الواقع الجغرافي والسياسي في الضفة، أو حملة إلكترونية تستهدف ثقة الأردني بدولته. وهذا النوع من التهديدات يحتاج إلى دولة تقرأ المشهد قبل أن يتحول إلى واقع. الأردن ليس الحلقة الأضعف هناك من يتعامل مع الأردن باعتباره دولة صغيرة محاطة بالأزمات، وهذه قراءة ناقصة. صحيح أن الأردن محدود الموارد والإمكانات مقارنة ببعض دول الإقليم، لكنه يمتلك عناصر قوة أساسية: مؤسسة عسكرية محترفة، أجهزة أمنية ذات خبرة طويلة، قيادة سياسية تعرف طبيعة المنطقة، ومجتمع أثبت في أكثر من محطة أنه قادر على تجاوز الأزمات عندما يشعر أن الدولة تواجه خطراً حقيقياً. ولهذا فإن محاولة الضغط على الأردن من خلال تركيبته الاجتماعية لن تكون مسألة بسيطة. الأردنيون قد يختلفون في السياسة، وفي تقييم الحكومات، وفي المواقف الاقتصادية والاجتماعية، وهذا طبيعي في أي مجتمع حي. لكن تحويل الاختلاف السياسي إلى صراع بين مكونات المجتمع هو الخط الأحمر الحقيقي. ومن هنا تأتي أهمية المحافظة على الجبهة الداخلية. أخطر ما يمكن أن يحدث أخطر سيناريو ليس أن يختلف الأردنيون. الاختلاف أمر طبيعي. الأخطر أن يقتنع الأردني بأن الأردني الآخر هو المشكلة. عندها فقط يصبح الخارج قادراً على تحقيق ما لا يستطيع تحقيقه بالقوة. ولهذا يجب التعامل مع خطاب الأصول والمنابت بحذر شديد، سواء صدر من الداخل أو جرى تضخيمه عبر منصات خارجية. الأردن ليس بحاجة إلى إنكار تنوع مجتمعه، بل بحاجة إلى إدارة هذا التنوع ضمن مفهوم واضح للمواطنة والدولة والقانون. لا أحد فوق الدولة، ولا أحد خارجها. فلسطين قضية أردنية... ولكن الأردن ليس فلسطين هذه معادلة يجب أن تكون واضحة. الأردن يقف مع الشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته المستقلة، وهذا موقف تاريخي وسياسي ثابت. لكن دعم فلسطين لا يعني قبول أي حل يؤدي إلى نقل القضية الفلسطينية إلى الأراضي الأردنية. وهنا تحديداً يصبح الحديث عن التهجير مسألة تتعلق بالأمن الوطني الأردني، وليس مجرد موقف دبلوماسي من تطورات القضية الفلسطينية. إذا حاولت أي جهة تحويل الأردن إلى بديل جغرافي للفلسطينيين، فإنها لا تقدم حلاً للقضية الفلسطينية، وإنما تنقل الصراع من مكان إلى آخر وتخلق أزمة جديدة أكثر خطورة. الأردن يستطيع أن يتحمل الكثير، لكنه لا يستطيع أن يقبل مشروعاً يمس وجوده الوطني أو يفرض عليه نتائج صراع لم يكن طرفاً في صناعته. الدولة التي لا تخاف من شعبها في المقابل، هناك أمر مهم يجب ألا يغيب عن صانع القرار. الحفاظ على الأمن الوطني لا يعني إلغاء النقد. بل إن الدولة القوية هي التي تميز بين من ينتقدها لأنه يريد إصلاحها، ومن يعمل على هدمها. المواطن الذي يعترض على قرار حكومي ليس عدواً. والصحفي الذي ينتقد أداء مسؤول ليس خصماً للدولة. والمعارضة السياسية ليست خيانة. لكن التحريض على العنف، وصناعة الكراهية، واستهداف الجيش والأجهزة الأمنية، وإثارة النعرات، وترويج الأخبار الكاذبة بقصد ضرب المجتمع، كلها مسائل مختلفة تماماً. وهنا يجب أن تكون المعالجة قانونية ودقيقة، لا عشوائية. المؤسسة الأمنية لا تحتاج إلى استعراض أعتقد أن من أهم الرسائل التي يمكن فهمها من الخطاب الأمني الأخير أن المؤسسات الأردنية لا تتعامل مع المرحلة بعقلية رد الفعل. وهذا أمر إيجابي. الأمن الحقيقي لا يظهر فقط عندما تقع الأزمة، بل عندما تستطيع الدولة اكتشاف مقدماتها ومنعها قبل أن تتوسع. والأردن يملك خبرة طويلة في هذا المجال. لكن هذه الخبرة يجب أن تواكبها دائماً مرونة سياسية وإعلامية، لأن طبيعة الصراع تغيرت. لم تعد المعركة فقط على الحدود. المعركة أصبحت أيضاً على وعي المواطن. ومن يسيطر على وعي المجتمع يستطيع أحياناً أن يحقق نتائج لا تستطيع القوة العسكرية وحدها تحقيقها. ماذا يريد الأردن من المرحلة المقبلة؟ في تقديري، الأولوية الأردنية يجب أن تكون واضحة: حماية الحدود. حماية القرار الوطني. حماية القدس والوصاية الهاشمية. رفض التهجير والوطن البديل. منع تحويل الأردن إلى ساحة صراع إقليمي. الحفاظ على وحدة المجتمع. وتحصين المواطن من التضليل والشائعات. وفي الوقت نفسه، معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تستغلها أي جهة تريد ضرب الاستقرار. فالأمن لا يبدأ من البندقية فقط؛ الأمن يبدأ أيضاً من ثقة المواطن بأن دولته عادلة، وأن القانون يطبق على الجميع، وأن مستقبله ليس مجهولاً. كلمة أخيرة ربما تكون عبارة «الأردن أولاً» قديمة من حيث تاريخ إطلاقها، لكنها ليست قديمة من حيث الحاجة إليها. كل مرحلة لها أولوياتها، والمرحلة الحالية تقول بوضوح إن الأردن بحاجة إلى أن يجمع صفه، ويقرأ ما يجري حوله بعين مفتوحة، وألا يسمح لأحد بأن يستدرجه إلى معارك جانبية. لا نريد أردناً معزولاً عن قضايا أمته، ولا نريد أردناً تابعاً لمحور. نريد أردناً يعرف مصلحته، ويحمي حدوده، ويتمسك بقراره، ويدعم فلسطين من موقع الدولة القوية، ويحافظ على أمنه دون أن يتخلى عن انفتاحه السياسي. فالسياسة في هذه المنطقة ليست لعبة شعارات. ومن لا يقرأ المخاطر مبكراً، قد يجد نفسه لاحقاً مضطراً إلى دفع ثمنها مضاعفاً. الأردن أولاً ليست ضد أحد؛ لكنها تعني أن القرار الأردني يجب أن يبقى أردنياً. هذه النسخة لا تسير على ترتيب المقال المرسل ولا تعيد فقراته؛ أخذت منه نقطة الانطلاق فقط، ثم بنيت تحليلاً مستقلاً.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم