المحامية نسرين صخر زريقات يكتب: فرح… حين تتحدث الحكومة بلغة الذكاء الاصطناعي

منذ 31 دقيقة
المشاهدات : 8059
المحامية نسرين صخر زريقات يكتب: فرح… حين تتحدث الحكومة بلغة الذكاء الاصطناعي
المحامية نسرين صخر زريقات

المحامية نسرين صخر زريقات


حين ظهرت «فرح» على شاشة المواطن الأردني، لم يكن المشهد مجرد إطلاق أداة تقنية جديدة بل كان إعلانًا عن دخول الاتصال الحكومي مرحلة مختلفة، يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءًا من الطريقة التي تتحدث بها الدولة إلى مواطنيها. والحقيقة أن هذه التجربة تستحق أن تُقرأ بعيدًا عن الانبهار بالتكنولوجيا وبعيدًا عن الرفض المسبق لها؛ فالحكومة التي تبحث عن وسائل جديدة للوصول إلى الناس، وتدرك أن المواطن اليوم لم يعد ينتظر الخبر في نشرته التقليدية، إنما تتعامل مع واقع يتغير بسرعة، وقد جاءت «فرح» بوصفها أداة من أدوات الاتصال الحكومي، هدفها إيصال المعلومات وشرح القرارات والسياسات للمواطنين والمهتمين بصورة أكثر سرعة وبساطة. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى التجربة بإيجابية، فالانتقال إلى أدوات العصر، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في التواصل العام، قد يساعد على تقريب المعلومة من المواطن، والوصول إلى فئات لا تتابع المؤتمرات الصحفية أو البيانات الرسمية بالطريقة التقليدية، كما يمكن أن يسهم في مواجهة الإشاعة بالمعلومة الرسمية، ويمنح المواطن فرصة للحصول على إجابة أولية في وقت أسرع. لكن، وفي المقابل، فإن كل اقتراب للتكنولوجيا من المجال العام يفتح أبوابًا لأسئلة لا ينبغي تأجيلها، لأن المعلومة الحكومية ليست مجرد محتوى يُنتج وينشر، وإنما مسؤولية عامة ترتبط بثقة المواطن وحقه في المعرفة. وهنا تحديدًا تبدأ المسافة بين الترحيب بالتجربة وبين ضرورة مراقبتها وتقييمها؛ فالمواطن لا يبحث عن السرعة وحدها، وإنما يريد أن يعرف: هل ما أسمعه دقيق؟ ومن المسؤول عنه؟ وما مصدره؟ وماذا يحدث إذا كانت الإجابة غير صحيحة؟ وهذه الأسئلة ليست تشكيكًا في التجربة، وإنما هي جزء من شروط نجاحها. فالذكاء الاصطناعي قد يخطئ، لكن المسؤولية البشرية لا يجوز أن تختفي خلف الخطأ التقني، ولا ينبغي أن تصبح عبارة «حدث خطأ من النظام» مخرجًا من المسؤولية. وإذا كانت «فرح» ناطقًا رقميًا باسم الحكومة، فإن المسؤولية في النهاية تبقى مسؤولية الجهة الحكومية التي تستخدم هذه الأداة، وهو أمر يستحق أن يكون واضحًا للمواطن منذ البداية. فالآلة يمكن أن تنتج الإجابة، لكنها لا تستطيع أن تتحمل المسؤولية القانونية أو الأخلاقية عنها بالمعنى الذي يتحمله الإنسان والمؤسسة العامة. ومن هنا، فإن نجاح التجربة يحتاج إلى قواعد واضحة وشفافة تحدد طبيعة المعلومات التي تستطيع «فرح» تقديمها، وآليات مراجعة المحتوى، ومصادر المعلومات، وكيفية تصحيح الخطأ إذا وقع، والجهة المسؤولة عن ذلك، إلى جانب ضمان حماية البيانات والخصوصية، خصوصًا إذا تطورت التجربة مستقبلًا من مجرد تقديم المعلومات إلى التفاعل المباشر مع المواطنين. وكلما أصبحت الأداة أكثر قدرة على التفاعل، أصبحت الحاجة إلى الضوابط أكبر، لأن المواطن قد يطرح أسئلة تتعلق بحقوقه أو معاملاته أو أوضاعه الخاصة، وهنا يصبح التعامل مع البيانات وحمايتها مسألة لا تحتمل التساهل. وفي الوقت ذاته، علينا ألا نسمح لجاذبية الشخصية الافتراضية أن تجعلنا نخلط بين سهولة التواصل وجودة التواصل؛ فالحكومة لا تتواصل مع مواطنيها فقط عندما يكون لديها خبر إيجابي أو قرار يحتاج إلى شرح مبسط، وإنما تتواصل معهم أيضًا عندما يكون هناك قرار أثار قلقًا أو غضبًا، أو خدمة تأخرت، أو سؤال صعب يحتاج إلى تفسير، أو انتقاد يحتاج إلى إجابة. وفي مثل هذه الحالات، لا تكفي الإجابة السريعة، لأن هناك فرقًا بين أن تجيب عن السؤال وأن تتحمل مسؤولية الإجابة عنه. ولهذا أعتقد أن بقاء الإنسان في قلب عملية الاتصال الحكومي أمر أساسي، وأن «فرح» ينبغي أن تكون أداة مساندة لا بديلًا عن المسؤول البشري أو الناطق الرسمي، ولا بديلًا عن التواصل المباشر حين تكون طبيعة الموضوع بحاجة إلى ذلك. والأمر نفسه ينطبق على الإعلام؛ فالذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره بديلًا عن الصحفي، لأن الصحافة المهنية لا تكتفي بنقل الرواية الرسمية، وإنما تسأل وتتحقق وتقارن وتضع المعلومة في سياقها وتنقل صوت المواطن. ولذلك فإن الاتصال الحكومي الحديث لا يحتاج إلى «فرح بدل الصحفي»، وإنما يحتاج إلى «فرح إلى جانب إعلام مهني قوي»، لأن الشفافية لا تعني أن تتحدث الحكومة كثيرًا، وإنما تعني أن يستطيع المواطن أن يسأل، وأن يصل إلى المعلومة، وأن يعرف مصدرها، وأن يجد إجابة واضحة، وأن تبقى له مساحة للنقد والمساءلة. ومن هنا، فإن نجاح «فرح» لن يقاس بعدد المشاهدات أو مدى انتشار المقاطع أو جمال الصورة الافتراضية، وإنما سيقاس بسؤال أكثر عمقًا: هل جعلت المواطن أقرب إلى المعلومة؟ وهل ساعدته على فهم القرار الحكومي؟ وهل زادت ثقته بالمعلومة الرسمية؟ فإذا حققت ذلك، فإنها ستكون تجربة تستحق البناء عليها وتطويرها، أما إذا أصبحت مجرد واجهة رقمية أنيقة تعيد إنتاج الخطاب التقليدي بلغة أكثر سرعة، فإن التكنولوجيا تكون قد غيّرت الشكل أكثر مما غيّرت جوهر الاتصال. والأردن أمام فرصة حقيقية لأن يجعل من هذه التجربة نموذجًا وطنيًا للاتصال الحكومي المسؤول باستخدام الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في ظل التوجه نحو تنظيم استخدام هذه التقنيات ووضع أطر أخلاقية لها؛ فالمطلوب ليس فقط أن نستخدم التكنولوجيا، وإنما أن نستخدمها وفق مبادئ الدقة والشفافية والمساءلة وحماية الخصوصية وعدم التمييز وإتاحة المعلومات. وربما يكون من المفيد أن تتطور التجربة باتجاه معايير معلنة تُمكّن المواطن من معرفة متى يتعامل مع الذكاء الاصطناعي، وما طبيعة المعلومات التي يقدمها، ومصادرها، وكيفية الاعتراض أو الإبلاغ عن الخطأ، وكيف تتم مراجعته وتصحيحه، مع تقييم دوري للتجربة لا يعتمد فقط على المؤشرات التقنية، وإنما يقيس أيضًا مدى رضا المواطنين وثقتهم وقدرتهم الفعلية على الوصول إلى المعلومات. وهذه ليست أسئلة ضد «فرح»، بل أسئلة تريد لها أن تنجح، لأن أسوأ ما يمكن أن نفعله أمام أي تجربة جديدة هو أن نصفق لها لأنها جديدة، أو نهاجمها لأنها مختلفة؛ أما الأفضل فهو أن نراقبها ونقيّمها ونقترح تطويرها. فالذكاء الاصطناعي قادم إلى تفاصيل حياتنا، ومن الأفضل أن نتعلم منذ الآن كيف نستخدمه دون أن نفقد معه ما هو أهم من التكنولوجيا نفسها: الإنسان، والحق، والمسؤولية، والثقة. قد تكون «فرح» افتراضية، لكن الأسئلة التي تطرحها ليست افتراضية، والمعلومات التي تقدمها ليست افتراضية، وثقة المواطن ليست افتراضية. ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام «فرح» ليس أن تتحدث باسم الحكومة، وإنما أن تساعد الحكومة على بناء حديث أكثر وضوحًا وشفافية وقربًا من المواطن؛ فالآلة تستطيع أن تنقل الرسالة بسرعة، لكنها لا تستطيع أن تبرمج الثقة، والثقة لا تُبنى بالصوت والصورة وحدهما، وإنما بالدقة والصدق والشفافية والقدرة على الاستماع والمساءلة. وإذا نجحت «فرح» في أن تجعل المعلومة الحكومية أقرب وأوضح وأكثر دقة، وأن تفتح أبواب السؤال بدل أن تغلقها، وأن تكون جسرًا بين المواطن والمؤسسة لا جدارًا جديدًا بينهما، فستكون بالفعل خطوة إلى الأمام، أما إذا بقيت مجرد صوت رقمي جميل يكرر ما نعرفه، فسنكون قد صنعنا ناطقًا افتراضيًا دون أن نصنع بالضرورة اتصالًا حكوميًا أكثر إنسانية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم