حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الإثنين ,9 مارس, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 10667

أمل خضر تكتب: حين يبكي العيد بصمت

أمل خضر تكتب: حين يبكي العيد بصمت

أمل خضر تكتب: حين يبكي العيد بصمت

08-03-2026 12:45 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : أمل خضر
في زمنٍ تثقل فيه الأيام على القلوب وتتشابك فيه الهموم حتى تكاد تخنق الفرح، لم يعد العيد كما كان. لم يعد ذلك الصباح الذي تفيض فيه الضحكات من النوافذ وتلمع فيه عيون الأطفال ببراءةٍ لا تعرف الحسابات. في كثير من البيوت صار العيد أمنية مؤجلة، حلمًا صغيرًا يقف على عتبة القدرة وينتظر أن تفتح له الأيام بابًا أرحب.
كم من أمٍّ تخفي دمعتها هذه الليلة وهي تعد أبناءها بأن العيد القادم سيكون أجمل، بينما تعرف في أعماقها أن الأمنيات أحيانًا تحتاج أكثر من الصبر لتتحقق. وكم من أبٍ وقف طويلًا أمام واجهة متجر، لا ينظر إلى الثياب بقدر ما ينظر إلى ما تبقّى في جيبه؛ يحسب الأرقام بصمتٍ موجع، ثم يلتفت إلى طفله بابتسامةٍ حانية ويقول “ليس المهم الثوب المهم أن نبقى معًا.” لكنه في داخله يعرف أن الطفل لم يكن يريد الكثير، كان يريد فقط أن يشعر أنه مثل بقية الأطفال.
فالوجع ليس في قطعة قماش، بل في ذلك الشعور الصامت بالنقص حين يقارن طفلٌ نفسه بغيره، وفي تلك النظرة التي يخفي فيها رضاه حتى لا يحرج والديه، وفي قلبٍ صغير لا يفهم لماذا تغيّرت الدنيا فجأة. الوجع يسكن بيتًا اختصر العيد بوجبةٍ متواضعة ودعاءٍ طويل أن تتبدل الأيام، ويسكن قلوبًا تتظاهر بالقوة بينما تثقلها الحسرة بصمت.
لكن الحقيقة الأكثر قسوة أن الفقر ليس وحده من يسرق العيد؛ فالظلم أيضًا يفعل ذلك بصمتٍ أشد قسوة. حين يُظلم إنسان لا ينكسر وحده، بل تمتد شقوق الألم إلى بيته وأطفاله وتفاصيل حياته كلها. كم من بيتٍ غاب عنه العيد لأن القهر أثقل قلب أبيه، أو لأن أمًا أنهكها الانتظار حتى تعبت من الأمل، أو لأن خصومةً صغيرة كبرت حتى فرّقت الأحبة في ليلةٍ كان يفترض أن تجمعهم.
العيد ليس تاريخًا في التقويم، بل مرآة لقلوبنا؛ إما أن يكون مساحة رحمة تتسع للجميع، أو يتحول إلى لحظة تكشف مقدار القسوة التي تسللت إلى حياتنا. نرتدي الجديد في الخارج، لكن السؤال الأصعب يبقى في الداخل هل نظفنا قلوبنا من الضغائن؟ هل طرقنا باب جارٍ أثقلته الحاجة؟ هل سامحنا من أخطأ، أو اعتذرنا لمن جرحنا؟
ربما لم تسرق الحرب العيد وحدها، ولم يخطفه الفقر وحده، بل سرقناه نحن حين قسونا، حين تنافسنا على المظاهر ونسينا المشاعر، حين أصبح العيد صورة تُنشر لا قلبًا يُحتضن، ومشهدًا يُعرض لا شعورًا يُعاش.
في هذه الليلة، هناك أمٌّ تخيط ثوبًا قديمًا لتجعله يبدو جديدًا، وهناك طفلٌ ينام وهو يتخيّل حذاءً يلمع في صباح العيد، وهناك رجلٌ يخفي قهره خلف تكبيرة العيد حتى لا يفسد فرحة من حوله. وهناك قلوبٌ كثيرة تتمنى لو يعود العيد كما كان؛ بسيطًا، صادقًا، خاليًا من الاستعراض والانكسار.
العيد لا يحتاج أموالًا بقدر ما يحتاج عدلًا، ولا يحتاج ضجيجًا بقدر ما يحتاج صدقًا ورحمة. فحين يسود العدل، يبتسم الفقير قبل الغني، ويشعر الطفل بالأمان قبل أن يشعر بالفرح.
ربما لن تعود الأيام كما كانت، لكن بإمكاننا أن نعيد للعيد شيئًا من روحه؛ أن نتراحم، أن نخفف عن بعضنا، أن نتذكر أن خلف كل باب قصة لا نعرفها ودمعة لا نراها. فإذا جاء العيد هذا العام مثقلًا فلنحمله نحن بالرحمة، وإذا كان في القلب قهر فلنحوّله إلى دعاء، وإذا كان في البيت حزن فلنشعل فيه شمعة محبة.
لأن العيد ليس ما نلبسه، بل ما نشعر به. وإذا ضاع الشعور ضاع كل شيء.
وما بين تكبيرةٍ وأخرى يبقى السؤال الذي يوجع القلوب
هل سُرق العيد منا أم نحن الذين تركناه يضيع بين ظلمنا لبعضنا وقسوة أيامنا؟











طباعة
  • المشاهدات: 10667
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
08-03-2026 12:45 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تحقق الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران أهدافها؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم