ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا؟ الدكتور علي الصلاحين «مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»... سؤالٌ أطلقته امرأة العزيز في لحظة أرادت فيها أن تقلب الحقيقة، فتحول السؤال القرآني من عبارةٍ في سياق القصة إلى مرآةٍ تكشف شيئًا من واقعنا: ماذا نفعل حين يُساء إلى أهلنا؟ وهل ندافع عنهم بالحق، أم ندخل في دائرة الغضب والانتقام؟ في قصة يوسف عليه السلام، لم يكن الخطر في الفعل وحده، وإنما في إعادة صياغة الحقيقة؛ فبدل أن تكون صاحبة الخطأ موضع مساءلة، حاولت أن تجعل يوسف عليه السلام موضع اتهام، وأن تطلب عقابه قبل أن تنكشف الحقيقة. وهذه آلية نفسية تتكرر في حياتنا: حين يخشى الإنسان انكشاف خطئه، قد يبحث عن متهمٍ آخر، وحين يعجز عن مواجهة الحقيقة قد يحاول صناعة رواية تحمي صورته أمام الآخرين. وما أكثر صور ذلك في واقعنا المعاصر. قد تبدأ المشكلة داخل الأسرة بكلمة، أو خلاف بين زوجين، أو سوء فهم بين شابين، ثم تنتقل إلى الأقارب والجيران، ثم إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تصبح الخصومة شأنًا عامًا، ويُستدعى الجمهور ليكون شاهدًا وحَكَمًا وجلادًا في الوقت نفسه. وقد تكفي رسالة مقتطعة، أو صورة بلا سياق، أو رواية من طرف واحد، لكي يُشوَّه إنسان في دقائق، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت طويل حتى تستعيد مكانها. والإنسان حين يتعلق الأمر بأهله يكون أكثر عرضةً للانحياز؛ فالعاطفة تسبق العقل، والغيرة تعطل التثبت، والخوف على السمعة يدفع أحيانًا إلى رد فعل أكبر من الفعل نفسه. وهنا تتحول الحماية إلى حمية عمياء، ويصبح السؤال: «كيف آخذ حق أهلي؟» أهم من السؤال: «ما الحقيقة أصلًا؟» وهذه إحدى مشكلات مجتمعنا اليوم: أننا كثيرًا ما نخلط بين الكرامة والانتقام، وبين الغيرة والعدوان، وبين نصرة الأهل وتبرير أخطائهم. وقد يظن المرء أنه يدافع عن أسرته، بينما هو في الحقيقة يدافع عن صورته الاجتماعية أو عن كبريائه المجروح. والأشد خطورة أن المجتمع قد يصنع عقوبة قبل القضاء؛ فالشائعة تنتشر، والاتهام يتداول، والناس تصدر أحكامها، وقد يُصبح البريء مطالبًا بإثبات براءته من شيء لم يثبت عليه أصلًا. وفي زمن التواصل الرقمي، لم يعد التشهير يحتاج إلى مجلسٍ أو حيٍّ أو قرية؛ فقد تحمل ضغطة زر اتهامًا إلى آلاف الناس، وتبقى آثاره حتى بعد حذف المنشور. من هنا تبدو قصة يوسف عليه السلام شديدة الصلة بواقعنا؛ فالحقيقة في القصة لم تُحسم بالصوت الأعلى، ولا بمكانة الأشخاص، ولا بالغضب، وإنما بالقرينة والدليل. القميص الذي قُدَّ من دبرٍ كان أبلغ من عشرات الادعاءات. وفي ذلك درس بالغ الأهمية: لا تجعلوا العاطفة بديلًا عن الحقيقة، ولا تجعلوا الاتهام حكمًا، ولا تجعلوا الخصومة مبررًا لإهدار كرامة الإنسان. ومن أراد بأهلك سوءًا فلك أن تغضب، ولك أن تدافع، ولك أن تطلب حقهم، لكن ليس لك أن تتحول بسبب ذلك إلى ظالم. فالقانون والحق والعدل هي التي تحمي المجتمع، لا منطق «العين بالعين» حين يتحول إلى سلسلة لا تنتهي من الاعتداءات. ولعل أخطر ما نحتاج إليه اليوم أن نعلّم أبناءنا أن حماية الأهل لا تعني حماية الخطأ، وأن نصرة القريب لا تعني ظلم البعيد. فالأب الذي يربي ابنه على الانتقام قد يظن أنه يعلمه الرجولة، بينما هو في الحقيقة يعلمه أن القوة فوق الحق. والأسرة التي تسكت عن ظلم أحد أفرادها للآخرين باسم «الوقوف مع ابننا» لا تحمي أبناءها، بل تزرع فيهم شعورًا بأن القرابة تمنح حصانةً من المسؤولية. إن المجتمع المتماسك ليس ذلك الذي يرد الإساءة بإساءة أكبر، وإنما الذي يستطيع أن يحمي أفراده دون أن يسمح للغضب بأن يهدم ميزان العدل. فحين نختلف، نحتاج إلى التثبت؛ وحين نتهم، نحتاج إلى الدليل؛ وحين نغضب لأهلنا، نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أن نتذكر أن الحق لا يصبح حقًا لمجرد أنه يتعلق بمن نحب. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يلاحق ضمير كل واحد منا ليس فقط: ما جزاء من أراد بأهلي سوءًا؟ بل: ماذا سأفعل إذا جعلني غضبي عليه أظلم إنسانًا آخر؟ فقد يكون أصعب انتصارٍ هو أن تملك القدرة على الانتقام ثم تختار العدل، وأن تستطيع التشهير ثم تختار الستر، وأن تكون قادرًا على إيذاء من آذاك ثم تكتفي بأخذ حقك بالطرق المشروعة. فالذي يسيء إلى أهلك قد يؤذيهم مرة، أما إذا دفعك غضبك إلى الظلم فقد يجعل منك شريكًا في صناعة أذى جديد. وهنا لا يعود السؤال: من انتصر؟ بل: من بقي إنسانًا حين اشتد الغضب؟
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات