تبدأ قوة الدول من قدرتها على صناعة مستقبلها، ومن الاستثمار في الإنسان الذي يحمل مسؤولية هذا المستقبل. ومن هذه الرؤية، يكتسب التحديث السياسي في الأردن معناه الأوسع، بوصفه مشروعًا وطنيًا لبناء دولة أكثر رسوخًا، ومجتمع أكثر مشاركة، وأجيال أكثر وعيًا بدورها وقدرتها على الإسهام في صناعة القرار.
فهو مسار متكامل يتلازم فيه تطوير التشريعات والمؤسسات مع بناء الثقافة السياسية، وتعزيز الحوار، وتوسيع المشاركة، وإعداد شباب يمتلكون المعرفة والقدرة والمسؤولية، للإسهام في صياغة مستقبل وطنهم بثقة ووعي وانتماء.
وقد اكتسب هذا المسار أهمية خاصة في ظل الرؤية الملكية لجلالة الملك عبدالله الثاني، التي جعلت من تطوير الحياة السياسية، وتوسيع قاعدة المشاركة في صنع القرار، وتمكين الشباب، وتعزيز العمل الحزبي البرامجي، ركائز أساسية في مشروع التحديث.
وهي رؤية تدرك أن بناء حياة سياسية حديثة لا يتحقق بالنصوص وحدها، بل يتطلب مؤسسات فاعلة، وممارسة سياسية ناضجة، وثقافة مجتمعية تؤمن بالحوار والتعددية واحترام الرأي المختلف، وتضع المصلحة الوطنية فوق سائر الاعتبارات.
وفي مثل هذه التحولات الكبرى، تحتاج النتائج إلى وقت حتى تترسخ؛ فالإصلاح العميق مسار تراكمي، يتقدم عبر التشريع والتجربة والتقييم والتطوير.
والتجارب الديمقراطية الراسخة في العالم احتاجت إلى سنوات طويلة لتتطور وتترسخ، عبر أجيال راكمت الخبرة، وتعلمت قواعد المنافسة والحوار، وأدركت قيمة الاختلاف واحترامه. ومن هنا، فإن التجربة الأردنية تستحق أن تُقرأ بهدوء وموضوعية، باعتبارها مسارًا وطنيًا يتشكل تدريجيًا، وتسهم في إنضاجه مؤسسات الدولة والمجتمع والأجيال الجديدة.
وفي قلب هذا المسار، تتقدم مسؤولية الجامعات باعتبارها شريكًا معرفيًا ووطنيًا في صناعة مستقبل التحديث السياسي؛ فهي تنتج المعرفة التي تساعد على فهم التحولات، وتطور المناهج التي تبني المهارات، وتوفر البيئة التي تصقل الشخصية، وتفتح أمام الشباب مساحات واسعة للتجربة والحوار والمبادرة والقيادة.
وبذلك، تهيئ الجامعات بيئة خصبة تتحول فيها قيم المواطنة والديمقراطية من مفاهيم نظرية إلى ممارسات تُعاش. إن انتقال الشباب من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في صناعة القرار الوطني يمثل إحدى أهم ثمار التحديث السياسي؛ فحين يمتلك الشباب معرفة سياسية رصينة، وقدرة على الحوار، ومهارات في القيادة، ووعيًا بالمصلحة الوطنية، يصبح العمل الحزبي مجالًا للتنافس على البرامج والأفكار والحلول، وتتحول المشاركة السياسية إلى قوة دافعة للتنمية والاستقرار والتقدم.
وهنا، لا ينبغي أن يقتصر دور الجامعات على الندوات والفعاليات التوعوية، بل يمتد إلى بناء شخصية قادرة على التفكير النقدي، وتحليل المعلومات، وفهم السياسات العامة، ومناقشة القضايا الوطنية، واتخاذ المواقف على أساس المعرفة والحجة. فالطالب الذي يتعلم احترام الرأي الآخر، وعرض حجته، والاستماع إلى غيره، والعمل ضمن فريق، وقبول نتائج التنافس، يدرك عمليًا أن المشاركة حق يقترن بالمسؤولية، وأن الاختلاف يمكن أن يكون وسيلة للإثراء لا سببًا للانقسام. وفي هذا الدور، تحافظ الجامعات على استقلالها الأكاديمي وحيادها المؤسسي، وتوفر في الوقت نفسه فضاءً آمنًا للتعددية والحوار والتفكير الحر واحترام القانون.
كما تمنح طلبتها الأدوات التي تمكنهم من تكوين مواقفهم باستقلالية ووعي، وتساعدهم على التمييز بين الاختلاف والإقصاء، وبين النقد المسؤول والتجريح، وبين المنافسة القائمة على البرامج والأفكار، بما ينسجم مع جوهر العمل العام، وتلك التي تنحرف عنه. ولا يتوقف إسهام الجامعات عند بناء الوعي، بل يمتد إلى إعداد القيادات المستقبلية؛ فالشباب الذين يتلقون تعليمهم فيها اليوم سيكونون غدًا في مواقع المسؤولية في الدولة والمجتمع والقطاع الخاص ومختلف مجالات العمل العام.
ولذلك، فإن تنمية مهارات القيادة والتفاوض والعمل الجماعي وصناعة القرار ليست مجرد مؤهلات مهنية، بل أدوات أساسية لإعداد مواطن قادر على تحمل مسؤولياته الوطنية. كما تستطيع الجامعات، من خلال مراكز الدراسات والبحوث، وأعضاء هيئة التدريس، وطلبتها، أن تقدم معرفة علمية تسهم في قراءة اتجاهات المجتمع، وتحليل السياسات، ودراسة التجارب المقارنة، واقتراح البدائل. وبذلك، تصبح مشاركة الشباب في الحياة العامة امتدادًا طبيعيًا لما يتعلمونه ويمارسونه داخل الجامعة؛ فالمشاركة السياسية الواعية لا تبدأ عند صندوق الاقتراع، وإنما تبدأ بالمعرفة، والاهتمام بالشأن العام، والحوار، والمبادرة، والقدرة على تحمل المسؤولية.
وحين يدخل الشباب مجال العمل الحزبي والسياسي مزودين بالوعي والقدرة على تقييم البرامج والأفكار، تصبح المنافسة وسيلة للبناء، ويغدو الاختلاف مصدرًا للإثراء، وتتحول المشاركة السياسية إلى طاقة تدفع نحو التنمية والاستقرار. إن نجاح التحديث السياسي مسؤولية متكاملة؛ فالدولة تضع الرؤية والأطر، والمؤسسات توفر البيئة، والمجتمع يمنح هذا المسار ثقته وحيويته، والجامعات تبني المعرفة والقدرات، والشباب يحولون هذه الرؤية والقيم إلى ممارسة وأثر.
ويمتلك الأردن عناصر قوة تؤهله للمضي في هذا المسار بثقة، في ظل قيادة تضع التحديث ضمن مشروع وطني، ومؤسسات راسخة، ومجتمع يقوم على الاعتدال والتعايش، وشباب يمثلون طاقة المستقبل، وجامعات قادرة على أن تكون شريكًا معرفيًا ووطنيًا فاعلًا في مسيرة التحديث. وختامًا، فإن مستقبل الإصلاح السياسي يرتبط بما نزرعه اليوم في عقول الشباب؛ فالقانون يرسم الطريق، والمؤسسات تحمي المسار، والمجتمع يمنحه الحياة، والجامعات تصنع الإنسان القادر على السير فيه.
وحين نُعدّ جيلًا يؤمن بالدولة، ويحترم الاختلاف، ويمتلك المعرفة والثقة والمسؤولية، فإننا لا نبني حياة سياسية أكثر نضجًا فحسب، بل نضع لبنة في مستقبل أكثر إشراقًا لوطننا. وهذه مسؤوليتنا جميعًا، وفي مقدمتها الجامعات: أن نُنشئ جيلًا لا ينتظر المستقبل، بل يمتلك المعرفة والوعي والقدرة على صناعته؛ إيمانًا بأن مستقبل الأردن يُبنى اليوم في عقول أبنائه، كما يُبنى في مؤسساته.
الحياري يكتب: الجامعات والتحديث السياسي بين بناء الوعي ومسؤولية الأجيال
منذ 1 شهر
المشاهدات :
29805
الأستاذ الدكتور خالد الحياري
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
منوعات من العالم
فيديو يشعل مواقع التواصل في مصر .. مدير مدرسة يستعرض مهاراته القتالية أمام الطلاب
منذ 6 أيام
02
03
04
05
آخر الأخبار
مقالات منوعة
زهور السعودي تكتب: السردية الأردنية ليست ما حدث فقط
منذ 1 أسبوع
مقالات منوعة
اللصاصمة يكتب: مَجْلِسُ النُّوَّابِ .. وَرَدَّةُ فِعْلِ الْمُوَاطِنِ !!
منذ 1 أسبوع
مقالات منوعة
محمد مطلب المجالي يكتب: أحزابنا السياسية بين الواقع والطموح .. ماذا في جعبتها من جديد؟
منذ 1 أسبوع
مقالات منوعة
محيلان يكتب: التعمري وعلوان بلسان واحد:ملاعبنا غير صالحة للاستهلاك!
منذ 1 أسبوع
مقالات منوعة
المعايطة معلّقًا على مقال الخوالدة: شكرًا لمعالي الفراية
منذ 1 أسبوع
أخبار فنية
فن
«جنات العرافة» .. وفاة الفنانة التونسية آمال البكوش
منذ 3 ساعات
فن
نجمة Dead to me .. كريستينا أبلغيت تكشف تشخيصها الخاطئ بالتصلب المتعدد
منذ 3 ساعات
فن
بعد غياب 14 عاماً .. فضل شاكر في الرياض والإقبال الجماهيري استثنائي
منذ 5 ساعات
فن
35% .. محمد صلاح يسخر من رئيس بشكتاش (صورة)
منذ 7 ساعات
فن
سيلينا غوميز تكشف صدمتها من تأثير الفيب المدمّر على أحبالها الصوتية
منذ 7 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
إلزام الفيصلي والحسين والوحدات بدفع أكثر من نصف مليون دينار
منذ 2 ساعة
رياضة
مورينيو: ريال مدريد يفتقر إلى الكثير
منذ 2 ساعة
رياضة
"يويفا" يطالب "فيفا" بالرد على 42 سؤالاً بشأن إنفانتينو
منذ 3 ساعات
رياضة
مدرب مانشستر يونايتد السابق: رونالدو خذل الفريق بسبب ضعف جاهزيته
منذ 4 ساعات
رياضة
المتصدر ليس لامين يامال .. أحدث ترتيب للمرشحين للفوز بالكرة الذهبية
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
مركبة فضائية يابانية تبدأ رحلة ملحمية إلى المريخ
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
سر المعمرين .. بحث صيني يربط بين تناول اللحوم لدى النساء وفرص بلوغ سن الـ100
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
بعد اعتراف سيلينا غوميز .. طبيب يكشف تأثير "الفيب" على الصوت
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
فيديو رضيع "الرجل على رجل" يشعل الجدل .. والنقابة في مصر تتدخل
منذ 7 ساعات
منوعات من العالم
استعانت بعشيقها لقتل زوجها في الهند .. وخطأ صغير فضح المخطط
منذ 7 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات