كثر الحديث عن الأحزاب السياسية، وعن الحياة الحزبية ومستقبلها ودورها في صناعة القرار، حتى أصبح الحزب في بعض المشاهد السياسية أشبه بضيف دائم على الموائد؛ يحضر في الصورة، ويغيب عندما يحين وقت الحساب.
لا أحد يعارض وجود أحزاب قوية وفاعلة، بل إن الحياة السياسية لا تستقيم من دونها، لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بصوت مرتفع: ماذا في جعبة أحزابنا من جديد؟
هل جاءت ببرامج مختلفة تلامس هموم المواطن، أم أننا ما زلنا نعيد تدوير العبارات نفسها، ونبدّل العناوين ونحتفظ بالمضمون ذاته؟
المواطن لا يريد حزبًا يشرح له مشكلته التي يعرفها أكثر من أي سياسي، ولا يحتاج إلى من يخبره أن البطالة مرتفعة، والأسعار أثقلت جيبه، والخدمات تحتاج إلى تحسين، وفرص العمل محدودة. المواطن يريد من يقول له: ماذا ستفعلون؟ وكيف؟ ومتى؟ ومن أين؟
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
فالحزب ليس لافتة تُعلّق، ولا اجتماعًا تُلتقط فيه الصور، ولا بيانًا طويلًا تتزاحم فيه الكلمات الكبيرة حتى تضيع الفكرة الصغيرة. الحزب مشروع سياسي، وبرنامج قابل للتنفيذ، وقيادات تمتلك القدرة على حمل المسؤولية، ومواقف تُختبر عند المنعطفات لا عند المنصات.
والطريف أن بعض الأحزاب تبدو وكأنها اكتشفت أن السياسة تبدأ وتنتهي بالبيانات؛ فإذا وقعت أزمة صدر بيان، وإذا ارتفع سعر خرج تصريح، وإذا جاء استحقاق سياسي اجتمع المكتب السياسي، ثم ينتهي كل شيء إلى أرشيف البيانات!
أما المواطن، فيبقى واقفًا في الطابور نفسه، ينتظر نتيجة لا بيانًا جديدًا.
وربما تكشف لنا التجربة حقيقة أكثر إحراجًا لبعض الأحزاب: أن تأثير شخصية سياسية أو اجتماعية أو ثقافية معروفة، تمتلك رصيدًا من الثقة والحضور بين الناس، قد يكون أحيانًا أكبر من تأثير حزب بكامل كوادره.
فالجماهير لا تتحرك دائمًا خلف اللافتات الحزبية، بل خلف الشخصيات التي تعرفها وتثق بها، وتلمس صدقها ومواقفها، وتجدها حاضرة في قضايا الناس قبل مواسم الانتخابات والاستحقاقات.
وهنا السؤال الذي ينبغي أن يقلق الأحزاب: هل استطاعت أن تصنع قياداتها، أم أنها ما زالت تبحث عن أسماء جاهزة تمنحها بعض الحضور؟
فالحزب الذي لا يستطيع أن يصنع من داخله شخصية مؤثرة، تمتلك الفكر والحضور والكاريزما والثقة الشعبية، سيبقى محتاجًا إلى استعارة تأثير الآخرين.
وما جدوى حزب يملك عشرات الكوادر، بينما يتفوق عليه في التأثير رجل واحد يعرفه الناس ويعرفونه؟
نحن لا نريد أحزابًا تتنافس على عدد المقاعد فقط، بل أحزابًا تتنافس على جودة الأفكار. لا نريد معارضة لمجرد المعارضة، ولا موالاة لمجرد الموالاة، وإنما نريد عقلًا سياسيًا يعرف متى يؤيد، ومتى يعترض، ومتى يقول للحكومة: أحسنتم، ومتى يقول لها: أخطأتم وهذه هي البدائل.
فالمرحلة المقبلة لا تحتمل أحزابًا تعيش على الماضي أو تنتظر أن تصنع لها الدولة حضورًا، بل تحتاج إلى أحزاب تصنع حضورها بالعمل والبرنامج والكفاءة والقدرة على إقناع الناس.
والطموح كبير، لكن الواقع يقول إن الطريق ما زال طويلًا.
ولعل السؤال الأهم ليس: كم حزبًا لدينا؟ بل: كم حزبًا يستطيع أن يقدم مشروعًا يصدقه المواطن؟
فإذا بقيت الأحزاب تدور حول نفسها، وتكرر الخطاب ذاته، وتبدل الأشخاص دون أن تبدل الأفكار، فلن يتغير المشهد، وسنبقى أمام أحزاب كثيرة، ومشاريع قليلة، وشعارات أكثر من اللازم.
السياسة ليست سباقًا إلى المقاعد، بل سباق إلى خدمة الوطن.
ومن أراد ثقة الناس، فليخرج من قاعات الاجتماعات إلى الشارع، ومن لغة الشعارات إلى لغة الأرقام، ومن الوعود إلى البرامج، وليضع على الطاولة شيئًا جديدًا يستحق أن يُسمى مشروعًا سياسيًا.
أما المواطن فقد حفظ العناوين عن ظهر قلب، وما ينقصه الآن ليس درسًا جديدًا في السياسة، بل إجابة جديدة تقنعه بأن شيئًا سيتغير.
محمد مطلب المجالي
لا أحد يعارض وجود أحزاب قوية وفاعلة، بل إن الحياة السياسية لا تستقيم من دونها، لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بصوت مرتفع: ماذا في جعبة أحزابنا من جديد؟
هل جاءت ببرامج مختلفة تلامس هموم المواطن، أم أننا ما زلنا نعيد تدوير العبارات نفسها، ونبدّل العناوين ونحتفظ بالمضمون ذاته؟
المواطن لا يريد حزبًا يشرح له مشكلته التي يعرفها أكثر من أي سياسي، ولا يحتاج إلى من يخبره أن البطالة مرتفعة، والأسعار أثقلت جيبه، والخدمات تحتاج إلى تحسين، وفرص العمل محدودة. المواطن يريد من يقول له: ماذا ستفعلون؟ وكيف؟ ومتى؟ ومن أين؟
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
فالحزب ليس لافتة تُعلّق، ولا اجتماعًا تُلتقط فيه الصور، ولا بيانًا طويلًا تتزاحم فيه الكلمات الكبيرة حتى تضيع الفكرة الصغيرة. الحزب مشروع سياسي، وبرنامج قابل للتنفيذ، وقيادات تمتلك القدرة على حمل المسؤولية، ومواقف تُختبر عند المنعطفات لا عند المنصات.
والطريف أن بعض الأحزاب تبدو وكأنها اكتشفت أن السياسة تبدأ وتنتهي بالبيانات؛ فإذا وقعت أزمة صدر بيان، وإذا ارتفع سعر خرج تصريح، وإذا جاء استحقاق سياسي اجتمع المكتب السياسي، ثم ينتهي كل شيء إلى أرشيف البيانات!
أما المواطن، فيبقى واقفًا في الطابور نفسه، ينتظر نتيجة لا بيانًا جديدًا.
وربما تكشف لنا التجربة حقيقة أكثر إحراجًا لبعض الأحزاب: أن تأثير شخصية سياسية أو اجتماعية أو ثقافية معروفة، تمتلك رصيدًا من الثقة والحضور بين الناس، قد يكون أحيانًا أكبر من تأثير حزب بكامل كوادره.
فالجماهير لا تتحرك دائمًا خلف اللافتات الحزبية، بل خلف الشخصيات التي تعرفها وتثق بها، وتلمس صدقها ومواقفها، وتجدها حاضرة في قضايا الناس قبل مواسم الانتخابات والاستحقاقات.
وهنا السؤال الذي ينبغي أن يقلق الأحزاب: هل استطاعت أن تصنع قياداتها، أم أنها ما زالت تبحث عن أسماء جاهزة تمنحها بعض الحضور؟
فالحزب الذي لا يستطيع أن يصنع من داخله شخصية مؤثرة، تمتلك الفكر والحضور والكاريزما والثقة الشعبية، سيبقى محتاجًا إلى استعارة تأثير الآخرين.
وما جدوى حزب يملك عشرات الكوادر، بينما يتفوق عليه في التأثير رجل واحد يعرفه الناس ويعرفونه؟
نحن لا نريد أحزابًا تتنافس على عدد المقاعد فقط، بل أحزابًا تتنافس على جودة الأفكار. لا نريد معارضة لمجرد المعارضة، ولا موالاة لمجرد الموالاة، وإنما نريد عقلًا سياسيًا يعرف متى يؤيد، ومتى يعترض، ومتى يقول للحكومة: أحسنتم، ومتى يقول لها: أخطأتم وهذه هي البدائل.
فالمرحلة المقبلة لا تحتمل أحزابًا تعيش على الماضي أو تنتظر أن تصنع لها الدولة حضورًا، بل تحتاج إلى أحزاب تصنع حضورها بالعمل والبرنامج والكفاءة والقدرة على إقناع الناس.
والطموح كبير، لكن الواقع يقول إن الطريق ما زال طويلًا.
ولعل السؤال الأهم ليس: كم حزبًا لدينا؟ بل: كم حزبًا يستطيع أن يقدم مشروعًا يصدقه المواطن؟
فإذا بقيت الأحزاب تدور حول نفسها، وتكرر الخطاب ذاته، وتبدل الأشخاص دون أن تبدل الأفكار، فلن يتغير المشهد، وسنبقى أمام أحزاب كثيرة، ومشاريع قليلة، وشعارات أكثر من اللازم.
السياسة ليست سباقًا إلى المقاعد، بل سباق إلى خدمة الوطن.
ومن أراد ثقة الناس، فليخرج من قاعات الاجتماعات إلى الشارع، ومن لغة الشعارات إلى لغة الأرقام، ومن الوعود إلى البرامج، وليضع على الطاولة شيئًا جديدًا يستحق أن يُسمى مشروعًا سياسيًا.
أما المواطن فقد حفظ العناوين عن ظهر قلب، وما ينقصه الآن ليس درسًا جديدًا في السياسة، بل إجابة جديدة تقنعه بأن شيئًا سيتغير.
محمد مطلب المجالي
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات