زهور السعودي تكتب: السردية الأردنية ليست ما حدث فقط

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 35625
زهور السعودي تكتب: السردية الأردنية ليست ما حدث فقط
زهور السعودي

زهور السعودي

ماذا لو لم تكن مشكلتنا مع التاريخ أننا لا نعرفه بل أننا لم نتعلم بعد كيف نقرأه؟ نحن نحفظ التواريخ نعرف أسماء الأحداث والشخصيات ونستعيد محطات كثيرة كلما تحدثنا عن الأردن. لكن السردية الحقيقية لا تُقاس بكمّ ما نحفظه بل بقدرتنا على فهم ما الذي صنعه ذلك التاريخ فينا. فالتاريخ ليس ماضياً انتهى وإنما أثرٌ ينتقل من جيل إلى جيل. هذه الأرض أقدم من حدودها السياسية الحديثة وأعمق من أسماء الدول التي تعاقبت عليها. هنا مرّ الإنسان واستقر وبنى وزرع وتاجر وحارب وصالح وعبَّد وآمن وترك أثراً ثم جاء من بعده ليضيف أثراً آخر. ولهذا فالتاريخ الأردني ليس سلسلة منفصلة من الحكايات؛ إنه سيرة ممتدة. وسيرة الإنسان لا تسكن في الحجر وحده. تسكن أيضاً في الطريقة التي عاش بها الناس بعضهم مع بعض؛ في الكرم الذي يفتح الباب للضيف، وفي الجيرة التي تجعل للجار مكاناً في الذاكرة وفي النخوة التي تظهر حين تضيق على أحدهم الأيام وفي النجدة التي لا تحتاج إلى موعد وفي عادات وتقاليد لم تكن مجرد طقوس اجتماعية بل طريقة تشكلت بها علاقة الإنسان بأهله ومكانه ومجتمعه. لهذا فإن السردية الأردنية لا ينبغي أن تبحث عن نفسها في الأحداث الكبرى وحدها. فالتاريخ لا يصنعه من ظهروا في صفحاته فقط بل أيضاً أولئك الذين عاشوا خارجها الفلاح الذي زرع والأم التي ربت والمعلم الذي علّم، والعامل الذي بنى والإنسان الذي حافظ على بيته وقيمه ومجتمعه في أزمنة لم تكن سهلة. هؤلاء ربما لا نعرف أسماء كثير منهم، لكن أثرهم بقي. وهنا يصبح التاريخ أكثر من معلومات. يصبح تفسيراً للإنسان. فحين نفهم لماذا بقي الناس هنا وكيف واجهوا التحولات وكيف حافظوا على بعض قيمهم وهم ينتقلون من زمن إلى آخر نبدأ بفهم الأردن لا بوصفه حدوداً على خريطة وإنما بوصفه تجربة إنسانية متراكمة. وهذا هو الفرق بين أن نحفظ التاريخ وأن نفهمه. الحفظ يقول لنا هذا ما حدث. أما الفهم فيسأل: لماذا حدث؟ وماذا ترك؟ وماذا بقي منه فينا؟ والسردية الواثقة لا تحتاج إلى المبالغة. لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها كي تثبت قدمها. يكفي أن تقرأ تاريخها بوعي وأن تعرف أن الأصل ليس حجراً قديماً فقط ولا اسماً نعود إليه كلما أردنا أن نفتخر الأصل أيضاً قيم وتجارب وذاكرة وقدرة على الاستمرار. لكن الأصل مهما كان متيناً لا يعفينا من مسؤولية الحاضر. فنحن لسنا آخر صفحات السيرة. نحن صفحة فيها. وكما وصلتنا آثار من سبقونا سيأتي من بعدنا ليبحث عمّا تركناه نحن. وهنا تتحول السردية من حكاية عن الماضي إلى سؤال عن المستقبل: ماذا سنضيف إلى هذه السيرة؟ ربما لهذا لا نحتاج إلى أن نعلّم أبناءنا التاريخ ليحفظوا ماذا كان فقط بل ليعرفوا أنهم امتداد لمن سبقهم وأن ما يفعلونه اليوم سيصبح ذات يوم جزءاً مما سيقرأه القادمون عن الأردن. فالتاريخ ليس ما حدث وانتهى. التاريخ هو ما بقي فينا مما حدث وما سنضيفه نحن إلى ما بقي. وعندها فقط تصبح السردية الأردنية أكثر من رواية عن الماضي. تصبح وعياً بالأصل وثقة بالحاضر ومسؤولية تجاه المستقبل.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم