حين نتحدث عن السردية الأردنية، لا ينبغي أن نتحدث فقط عن الكتب والوثائق، بل عن الأماكن والطرق والمحطات التي عاش فيها الأردنيون تاريخهم، وصنعوا فيها ذكرياتهم. ومن هنا تأتي سكة حديد الحجاز، التي أراها واحدة من أهم صفحات السردية الأردنية التي تستحق أن تُروى وأن تُحيا.
أنا واحد ممن عاصروا السفر بالقطار من عمان إلى معان حيث نقطة الانطلاق من عمان كانت من المحطة والنقطة الثانية ام الحيران . كان السفر مستمرا يوميا حتى نهاية خمسينيات القرن الماضي بعد تشغيل الخط الصحراوي في شهر ١٠ عام ١٩٦٠ حيث افتتحه المرحوم جلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله ثم استمر بالرحلة الى وادي موسى وتناول الغداء هناك بعد الافتتاح .وما زلت أذكر تلك الرحلات بكل ما فيها من متعة ولذة وشغف باكتشاف الأردن. لم تكن الرحلة بالنسبة لنا مجرد وسيلة للوصول من مكان إلى آخر، بل كان الطريق نفسه هو المتعة.
كنا نقف في محطات الطريق، ولكل محطة طعمها وطعامها وناسها وذكرياتها، حتى حفظنا أسماءها عن ظهر قلب. كانت المحطات بالنسبة لنا فصولًا متتابعة من كتاب الأردن.
ما زلت أذكر محطة ضبعة، وما زال طعم لبنها وزبدتها عالقًا في الذاكرة، واسم البان ضبعة الان يزين واجهات المولات في عبدون وغيرها بطعمٍ لا تستطيع اليوم حتى أكبر متاجر العاصمة أن تعيده. كان للطعام في تلك المحطات مذاق آخر، لأنه كان جزءًا من المكان والناس والحياة.
وفي القطرانة كنا نشاهد مشهدًا أردنيًا جميلًا، حيث يلتقي أهل البادية بأهل الحاضرة، وتتجاور الوجوه والعادات والحكايات في رحلة واحدة ويقف القطار للتزود بالماء كما كان يفعل قطار العثمانيين بداية القرن الماضي من القطرانة كان القطار يجمع الأردنيين قبل أن نحتاج إلى أن نشرح معنى الوحدة الوطنية.
ثم كان النظر يأخذنا نحو الكرك، تلك المدينة العريقة التي كانت تستحضر في نفوسنا التاريخ، وسيرة القائد صلاح الدين ومعاركه، وكأن المكان نفسه كان يروي لنا حكايته.
ومن الحسا كان الطريق يقود إلى الطفيلة، ثم إلى عنيزة، بوابة البترا، حيث تتغير طبيعة الأرض ويزداد شغف المسافر بما ينتظره. أما الهيشة فكانت محطة يتزود فيها القطار بالوقود، وكانت جزءًا من تفاصيل الرحلة التي بقيت راسخة في الذاكرة.
وكان منظر رجال الجيش العربي القوات المسلحة الاردنية منظرا حماسيا وهم في طريقهم لقضاء الاجازات السنوية يبهجون المسافرين بقصصهم وخدمتهم للمسافرين وهذه تضيف إلى المشهد بعدًا وطنيًا خاصًا؛ فكان القطار يحمل الجنود والناس، ويحمل معهم صورة من صور الأردن في ذلك الزمن، حيث كانت البساطة والهيبة والانتماء تجتمع في مشهد واحد.
لهذا كله، فإنني عندما أدعو إلى إحياء سكة حديد الحجاز، لا أقصد فقط إعادة تشغيل قطار بين نقطتين. أنا أدعو إلى إحياء الطريق نفسها، وإحياء محطاتها، ومشاهدها، وذاكرتها، وطعامها، وحكايات أهلها.
لماذا لا تتحول المحطات القديمة إلى متاحف ومراكز للتراث؟ ولماذا لا تعود الرحلة تجربة سياحية وثقافية، يتوقف فيها القطار في المحطات، فيتذوق الزائر طعام المكان، ويتعرف إلى أهله، ويسمع حكايته، ويرى الأردن كما عرفناه نحن؟
إن السردية الأردنية لا تُكتب بالكلمات وحدها؛ إنها موجودة في البتراء، وفي الكرك، وفي البادية، وفي القرى، وفي محطات السكة، وفي ذاكرة الرجال والنساء الذين عاشوا تلك الأيام.
لقد كانت سكة حديد الحجاز ذات يوم وسيلة نقل، لكنها أصبحت اليوم جزءًا من ذاكرتنا الوطنية. وإحياء هذه السكة يمكن أن يكون مشروعًا للسياحة والتراث والتنمية، وفي الوقت نفسه مشروعًا لإحياء الذاكرة الأردنية.
وأنا، بعد كل هذه العقود، لا أحن إلى القطار وحده، بل أحن إلى الرحلة نفسها؛ إلى المحطة، وإلى الناس، وإلى الطعام، وإلى المشهد، وإلى ذلك الشعور الجميل ونحن نعبر الأردن محطة بعد محطة.
كل ذلك عالق في الذهن حتى الحداء او الهجينة التي كان يشارك بها المسافرون باعلى صوتهم كاجمل كورس سمعته ومازالت تعيش في ذاكرتي اغنية احد المسافرين الذاهبين الى عمان وهو يهيجن باعلى صوته:
ياواردا ع الرشادية. سلم على اللي ورد ماها
سلم على البنت النشمية. حب البرد يا ثناياها
فالمتعة ليست في الوصول وحده، بل في أن نحب الطريق ونحن نسير عليها. وإذا أردنا أن نحيي السردية الأردنية، فلنبدأ بإحياء الطريق التي حفظت جزءًا كبيرًا منها
أنا واحد ممن عاصروا السفر بالقطار من عمان إلى معان حيث نقطة الانطلاق من عمان كانت من المحطة والنقطة الثانية ام الحيران . كان السفر مستمرا يوميا حتى نهاية خمسينيات القرن الماضي بعد تشغيل الخط الصحراوي في شهر ١٠ عام ١٩٦٠ حيث افتتحه المرحوم جلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله ثم استمر بالرحلة الى وادي موسى وتناول الغداء هناك بعد الافتتاح .وما زلت أذكر تلك الرحلات بكل ما فيها من متعة ولذة وشغف باكتشاف الأردن. لم تكن الرحلة بالنسبة لنا مجرد وسيلة للوصول من مكان إلى آخر، بل كان الطريق نفسه هو المتعة.
كنا نقف في محطات الطريق، ولكل محطة طعمها وطعامها وناسها وذكرياتها، حتى حفظنا أسماءها عن ظهر قلب. كانت المحطات بالنسبة لنا فصولًا متتابعة من كتاب الأردن.
ما زلت أذكر محطة ضبعة، وما زال طعم لبنها وزبدتها عالقًا في الذاكرة، واسم البان ضبعة الان يزين واجهات المولات في عبدون وغيرها بطعمٍ لا تستطيع اليوم حتى أكبر متاجر العاصمة أن تعيده. كان للطعام في تلك المحطات مذاق آخر، لأنه كان جزءًا من المكان والناس والحياة.
وفي القطرانة كنا نشاهد مشهدًا أردنيًا جميلًا، حيث يلتقي أهل البادية بأهل الحاضرة، وتتجاور الوجوه والعادات والحكايات في رحلة واحدة ويقف القطار للتزود بالماء كما كان يفعل قطار العثمانيين بداية القرن الماضي من القطرانة كان القطار يجمع الأردنيين قبل أن نحتاج إلى أن نشرح معنى الوحدة الوطنية.
ثم كان النظر يأخذنا نحو الكرك، تلك المدينة العريقة التي كانت تستحضر في نفوسنا التاريخ، وسيرة القائد صلاح الدين ومعاركه، وكأن المكان نفسه كان يروي لنا حكايته.
ومن الحسا كان الطريق يقود إلى الطفيلة، ثم إلى عنيزة، بوابة البترا، حيث تتغير طبيعة الأرض ويزداد شغف المسافر بما ينتظره. أما الهيشة فكانت محطة يتزود فيها القطار بالوقود، وكانت جزءًا من تفاصيل الرحلة التي بقيت راسخة في الذاكرة.
وكان منظر رجال الجيش العربي القوات المسلحة الاردنية منظرا حماسيا وهم في طريقهم لقضاء الاجازات السنوية يبهجون المسافرين بقصصهم وخدمتهم للمسافرين وهذه تضيف إلى المشهد بعدًا وطنيًا خاصًا؛ فكان القطار يحمل الجنود والناس، ويحمل معهم صورة من صور الأردن في ذلك الزمن، حيث كانت البساطة والهيبة والانتماء تجتمع في مشهد واحد.
لهذا كله، فإنني عندما أدعو إلى إحياء سكة حديد الحجاز، لا أقصد فقط إعادة تشغيل قطار بين نقطتين. أنا أدعو إلى إحياء الطريق نفسها، وإحياء محطاتها، ومشاهدها، وذاكرتها، وطعامها، وحكايات أهلها.
لماذا لا تتحول المحطات القديمة إلى متاحف ومراكز للتراث؟ ولماذا لا تعود الرحلة تجربة سياحية وثقافية، يتوقف فيها القطار في المحطات، فيتذوق الزائر طعام المكان، ويتعرف إلى أهله، ويسمع حكايته، ويرى الأردن كما عرفناه نحن؟
إن السردية الأردنية لا تُكتب بالكلمات وحدها؛ إنها موجودة في البتراء، وفي الكرك، وفي البادية، وفي القرى، وفي محطات السكة، وفي ذاكرة الرجال والنساء الذين عاشوا تلك الأيام.
لقد كانت سكة حديد الحجاز ذات يوم وسيلة نقل، لكنها أصبحت اليوم جزءًا من ذاكرتنا الوطنية. وإحياء هذه السكة يمكن أن يكون مشروعًا للسياحة والتراث والتنمية، وفي الوقت نفسه مشروعًا لإحياء الذاكرة الأردنية.
وأنا، بعد كل هذه العقود، لا أحن إلى القطار وحده، بل أحن إلى الرحلة نفسها؛ إلى المحطة، وإلى الناس، وإلى الطعام، وإلى المشهد، وإلى ذلك الشعور الجميل ونحن نعبر الأردن محطة بعد محطة.
كل ذلك عالق في الذهن حتى الحداء او الهجينة التي كان يشارك بها المسافرون باعلى صوتهم كاجمل كورس سمعته ومازالت تعيش في ذاكرتي اغنية احد المسافرين الذاهبين الى عمان وهو يهيجن باعلى صوته:
ياواردا ع الرشادية. سلم على اللي ورد ماها
سلم على البنت النشمية. حب البرد يا ثناياها
فالمتعة ليست في الوصول وحده، بل في أن نحب الطريق ونحن نسير عليها. وإذا أردنا أن نحيي السردية الأردنية، فلنبدأ بإحياء الطريق التي حفظت جزءًا كبيرًا منها
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات