د. علي الصلاحين يكتب: "القشة التي قصمت ظهر البعير»

منذ 39 دقيقة
المشاهدات : 6619
د. علي الصلاحين يكتب: "القشة التي قصمت ظهر البعير»

مثلٌ عربي قديم، لكنه يحمل معنى يتجاوز حكايته؛ فهو يلخص حقيقة عميقة في حياة الإنسان والمجتمع: أن الانهيار لا يحدث غالبًا بسبب الموقف الأخير وحده، وإنما بسبب تراكم طويل من الأحمال التي تجاوزت حدود الاحتمال. تروي الحكاية أن رجلًا أثقل بعيره بالأمتعة حتى صار يترنح من شدة الحمل، ورغم تحذير الناس له، أضاف فوقه حزمة صغيرة من القش، فسقط البعير.

 

فقالوا: «هذه القشة التي قصمت ظهر البعير». والحقيقة أن القشة لم تكن السبب الحقيقي، وإنما كانت اللحظة الأخيرة التي كشفت أن ظهر البعير قد بلغ أقصى طاقته. وهكذا هو الإنسان؛ قد يصبر على كلمة، ويتجاوز موقفًا، ويسامح في خطأ، ويتحمل خيبة، ثم تتراكم الأشياء الصغيرة فوق بعضها حتى يصبح الحمل أكبر من قدرته. عندها قد تأتي كلمة عابرة أو موقف بسيط فينفجر أو ينسحب أو يقرر الرحيل، فيظن الآخرون أن السبب هو ذلك الموقف، بينما الحقيقة أن وراءه تاريخًا طويلًا من الألم والصمت. ولهذا لا ينبغي أن نحكم على ردود أفعال الناس من خلال اللحظة الأخيرة فقط. فالطفل الذي ينفجر بالبكاء، والطالب الذي يفقد حماسه، والموظف الذي يترك عمله، والزوج الذي يبتعد، قد لا يكون أي منهم قد وصل إلى تلك اللحظة بسبب حادث واحد، بل بسبب تراكم لم ينتبه إليه أحد. والأمر ذاته ينطبق على المجتمعات والأحداث؛ فكثير من الأزمات لا تبدأ بالشرارة التي نراها، وإنما بالاحتقان الذي سبقها. فالشرارة لا تصنع الحطب، لكنها تكشف أنه كان متراكمًا وقابلًا للاشتعال. ولذلك فإن فهم الواقع لا يكون بالنظر إلى الحدث الأخير وحده، بل بالبحث في الأسباب التي تراكمت خلفه. ومن هنا تأتي الحكمة التربوية والإنسانية للمثل: لا تنتظر الانهيار حتى تسأل عن أسبابه، ولا تستغل صبر الآخرين، ولا تستهين بالصغائر المتكررة؛ فالأشياء الصغيرة حين تتراكم تصبح ثقيلة، والكلمة التي تبدو عابرة قد تقع على قلب أنهكه الكثير.

 

وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. فلكل إنسان طاقة وحدود، والقوة ليست في أن يحمل الإنسان حتى ينكسر، وإنما في أن يعرف متى يخفف عن نفسه، ومتى يطلب المساعدة، ومتى يعالج المشكلة قبل أن تصبح أزمة. لذلك، حين نرى شخصًا ينهار من موقف يبدو صغيرًا، لا نسارع إلى الحكم عليه، بل نسأل: ماذا حمل قبل هذه القشة؟ وكم مرة صمت؟ وكم مرة تجاوز؟ فربما لم تكن القشة هي التي قصمت ظهر البعير، وإنما كانت فقط آخر ما استطاع الناس أن يروه، أما الأحمال الحقيقية فقد تراكمت بصمت.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم