جهاد المنسي يكتب: قانون الانتخاب .. الإصلاح الذي لا يراجع نفسه يتراجع

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 5249
جهاد المنسي يكتب: قانون الانتخاب ..  الإصلاح الذي لا يراجع نفسه يتراجع
جهاد المنسي

جهاد المنسي

بعد التجربة الأولى لتطبيق قانون الانتخاب الجديد، لم تعد مراجعته ترفاً سياسياً، ولا يجوز وضعها في خانة التراجع عن الإصلاح. فالإصلاح الذي لا يراجع نفسه يتحول إلى نص جامد، والنص الجامد لا يصنع حياة سياسية جديدة، إذ قدمت الانتخابات تجربة أولى لا يجوز التعامل معها بوصفها نهاية الطريق؛ إذ فتحت الباب أمام الأحزاب، لكنها كشفت في الوقت نفسه أن فتح الباب لا يعني بالضرورة أن الحياة الحزبية دخلت مرحلة النضج.


المطلوب ليس العودة إلى قانون يعيد إنتاج الماضي، ولا التراجع عن المسار الحزبي، بل تصحيح الاختلالات قبل أن تترسخ، فمراجعة القانون لا تعني التشكيك في الإصلاح، بل تحصينه من الجمود ودفعه نحو حياة حزبية فاعلة تتجاوز مجرد وجود نواب حزبيين تحت القبة.
لا يكفي رفع عدد النواب الحزبيين، فالمطلوب تحويل الانتخابات إلى منافسة على البرامج وإعادة السياسة إلى قلب العمل البرلماني، فالحزب لا يكتسب شرعيته الشعبية بالمقاعد وحدها، بل بامتلاكه خطاباً واضحاً وحلولاً قابلة للتطبيق في ملفات العمل والتعليم والصحة والخدمات والاقتصاد.
وفي المقابل، يجب أن يجري التطوير بعيداً من خلال عملية طبيعية، ولا يجوز أن تتحول مراجعة القانون إلى عمليات فك وتركيب تنتج أحزاباً منفصلة عن المجتمع، ثم يُطلب من الشارع أن يتعامل معها بوصفها قوى سياسية مكتملة، الحزب الذي لا يملك جذوراً في المجتمع لن تمنحه مادة في قانون الانتخاب تلك الجذور، وهذه حقيقة ينبغي ألا نخشى قولها.
ولا يكتمل الإصلاح بتعديل النصوص وحدها، فالقانون يفتح الباب، لكن الدولة والأحزاب مسؤولتان عن تحويل التمثيل إلى ممارسة سياسية، وإذا كانت الدولة تريد حياة حزبية حقيقية، فعليها أن تتعامل مع الأحزاب بوصفها شريكاً محتملاً في الحكم، لا كيانات موسمية تظهر مع الانتخابات، وفي المقابل، على الأحزاب أن تثبت جدارتها داخل البرلمان وخارجه.
من هنا، يصبح أي تعديل وزاري مقبل اختباراً سياسياً لا مجرد تبديل في الأسماء، والحديث عن تعديل وزاري، سواء وقع الآن أو بعد ستة أشهر أو أكثر، يجب ألا يُفصل عن سؤال التحول الحزبي. فإذا كانت الدولة جادة في الانتقال من تمثيل الأحزاب إلى إشراكها في الحكم، فإن دخول حزبين إلى الحكومة يمكن أن يكون خطوة عملية في هذا الاتجاه، ويمكن أن يكون التمثيل عبر نائبين حزبيين، بحيث يستقيل من يتولى المسؤولية الوزارية من مجلس النواب وفق الأصول، ويفتح ذلك الباب أمام حلول أعضاء آخرين من الحزبين مكانهما.
هذه الخطوة، إن تمت، تنقل التجربة الحزبية من مختبر الانتخابات إلى مختبر الحكم، وهي في الوقت نفسه تخلق فرصة لظهور معادلة سياسية أوضح: أحزاب تشارك في الحكومة وتتحمل مسؤوليتها، وحزب يمكن أن يكون معارضاً تحت القبة، وأحزاب أخرى خارج البرلمان تعمل على بناء حضورها الشعبي استعداداً للاستحقاقات المقبلة، عندها يصبح للناس ما يقارنونه: من يحكم؟ من يعارض؟ ومن يقدم البديل؟
الإصلاح السياسي يجب أن يأتي وفق الاحتياجات المجتمعية، فالشارع يريد قوى يعرفها ويختلف معها ويتفق، ويحاسبها ويمنحها ثقته حين تقنعه. المطلوب أحزاب تخرج من المجتمع، لا أحزابا تبحث عن مجتمع بعد تأسيسها.
المطلوب قانون أكثر نضجاً، وأحزاب أكثر حضوراً، وحكومة أكثر انفتاحاً على الشراكة السياسية، وبرلمان يعكس هذا التحول، أما القانون المقبل، فينبغي أن يرى ما حدث فعلاً، وأن يأخذ بملاحظات كل القوى الفاعلة، وأن يبحث عن صيغة تزيد فرص التمثيل الحزبي الحقيقي، لا التمثيل الشكلي.
وإذا أردنا أحزاباً قوية تحت القبة، فعلينا أن نتيح لها أن تكون قوية خارجها، وإذا أردنا حكومة ذات لون حزبي، فعلينا في الوقت نفسه أن نمنح المعارضة حقها في أن تكون معارضة حقيقية، فالحزب الذي يدخل الحكومة لا يجوز أن يبقى نصف شريك؛ عليه أن يدافع عن حكومته وبرنامجها، والحزب المعارض لا يجوز أن يكون نصف معارضة؛ عليه أن يقدم بديلاً ويحاسب.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم