يقف مستقبل إيران عند نقطة مفصلية تتداخل فيها الضغوط العسكرية والاقتصادية الأميركية، وتعقيدات البرنامج النووي، والتحديات الداخلية، مع تنامي علاقاتها الاستراتيجية بالصين وروسيا. وقد أظهرت التطورات حتى آب 2026 أن استخدام القوة والعقوبات لم ينجح في فرض استسلام إيراني كامل، فيما استمرت الخلافات بشأن الرقابة على المنشآت النووية والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ومن منظور استشرافي، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل إيران خلال السنوات المقبلة، تتراوح بين تغيير النظام بالقوة، وصمود الدولة بدعم شرقي غير مباشر، واستمرار حالة لا حرب ولا سلم.
السيناريو الأول: تكرار النموذج العراقي وتغيير النظام يقوم هذا السيناريو على انتقال الولايات المتحدة وحلفائها من سياسة احتواء إيران وإضعافها إلى إستراتيجية تستهدف إسقاط النظام، عبر ضربات عسكرية واسعة، وحصار اقتصادي شامل، واستهداف مؤسسات القيادة والحرس الثوري، بالتزامن مع دعم قوى المعارضة وتحريك الاحتجاجات الداخلية. ويشبه ذلك المسار الذي اتبعته واشنطن تجاه العراق، ابتداءً بالعقوبات وتدمير القدرات العسكرية وانتهاءً بإسقاط النظام وإعادة تشكيل الدولة.
لكن تطبيق النموذج العراقي على إيران يواجه صعوبات أكبر؛ فإيران أوسع مساحة وأكثر سكاناً، وتمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية متماسكة، وقدرة على الرد عبر الصواريخ والشبكات الإقليمية والممرات البحرية. كما أن إسقاط القيادة لا يعني تلقائياً بناء نظام مستقر، بل قد يفتح المجال أمام صراع داخلي وتفكك مؤسسات الدولة وانتشار الفوضى في الخليج وآسيا الوسطى.
فرص التحقق: تصاعد القناعة الأميركية بأن الضربات المحدودة والعقوبات غير كافية لمنع إيران من استعادة قدراتها النووية والعسكرية.
حدوث انقسام حاد داخل مؤسسات النظام، بالتزامن مع احتجاجات واسعة وانهيار اقتصادي يصعب احتواؤه.
تشكل تحالف دولي وإقليمي مستعد لتحمل تكاليف المواجهة العسكرية ومرحلة ما بعد إسقاط النظام.
شروط التحقق: توافر غطاء سياسي وقانوني دولي، أو وقوع حدث أمني كبير يمنح واشنطن مبرراً للتدخل الشامل.
وجود بديل سياسي إيراني منظم يمتلك شرعية داخلية وقدرة على إدارة الدولة بعد التغيير.
ضمان تحييد الرد الإيراني وحماية القواعد الأميركية ودول الخليج وإمدادات الطاقة من التداعيات.
وعليه، تبقى احتمالية هذا السيناريو منخفضة إلى متوسطة بسبب تكلفته العسكرية والبشرية واحتمالات تحوله إلى حرب إقليمية طويلة.
السيناريو الثاني: الدعم الصيني والروسي غير المباشر وصمود إيران يفترض هذا السيناريو نجاح إيران في امتصاص الضغوط والمحافظة على تماسك النظام من خلال دعم صيني وروسي غير مباشر. ولا يعني ذلك دخول بكين أو موسكو في حرب دفاعاً عنها، بل تقديم مظلة سياسية ودبلوماسية، واستمرار قنوات التجارة والطاقة، وتوفير التكنولوجيا والمعلومات والتعاون العسكري المحدود، ومساعدة طهران على الالتفاف على العقوبات.
ترتبط إيران بروسيا بمعاهدة شراكة إستراتيجية شاملة، كما تؤكد الصين دعم سيادة إيران ورفض العقوبات الأحادية والضغوط العسكرية، مع تفضيلها التسوية السياسية على المواجهة المباشرة. الكرملين، وزارة الخارجية الصينية
فرص التحقق: حاجة الصين إلى استقرار إمدادات الطاقة، ورغبة روسيا في منع توسع النفوذ الأميركي بالقرب من حدودها الجنوبية.
امتلاك إيران قاعدة صناعية وعسكرية وخبرة طويلة في التكيف مع العقوبات وإدارة الاقتصاد الموازي.
استفادة طهران من عضويتها في منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس لتوسيع بدائلها الاقتصادية والسياسية.
شروط التحقق: استمرار التماسك داخل مؤسسات الدولة ومنع انتقال الأزمة الاقتصادية إلى انقسام سياسي وأمني واسع.
محافظة الصين وروسيا على قنوات التجارة والتمويل والتكنولوجيا رغم العقوبات والضغوط الأميركية.
تجنب إيران تجاوز خطوط حمراء تدفع واشنطن وحلفاءها إلى شن حرب شاملة أو فرض حصار كامل.
احتمالية هذا السيناريو متوسطة إلى مرتفعة، لكنه لا يقود إلى انتصار إيراني حاسم، بل إلى صمود مكلف يحافظ على النظام مع استمرار الضغوط.
السيناريو الثالث: استمرار حالة "لا حرب ولا سلم" وهو السيناريو الأكثر واقعية، ويقوم على استمرار التوتر والتهديدات والعقوبات والضربات المحدودة، مقابل بقاء قنوات التفاوض والوساطة مفتوحة. فلا تستطيع الولايات المتحدة تغيير النظام من دون تكلفة هائلة، ولا تستطيع إيران إنهاء العقوبات أو فرض إرادتها الإقليمية بصورة كاملة. وبذلك تستمر إدارة الأزمة بدلاً من تسويتها.
فرص التحقق: إدراك جميع الأطراف أن الحرب الشاملة قد تهدد أمن الخليج وتدفقات النفط والاقتصاد العالمي.
رغبة واشنطن في احتواء إيران من دون التورط في احتلال أو مشروع طويل لإعادة بناء الدولة.
حاجة إيران إلى التهدئة الجزئية لتخفيف الضغوط الاقتصادية مع رفضها تقديم تنازلات استراتيجية كاملة.
شروط التحقق: بقاء قنوات اتصال مباشرة أو غير مباشرة لمنع سوء الحسابات والانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. ضبط إيران مستوى التصعيد النووي والإقليمي ضمن حدود لا تستدعي تدخلاً عسكرياً واسعاً. نجاح القوى الإقليمية والوسطاء الدوليين في إنتاج تفاهمات جزئية حول الأمن والطاقة والملاحة.
تبدو احتمالية هذا السيناريو مرتفعة؛ لأنه يحقق الحد الأدنى من مصالح جميع الأطراف. فالولايات المتحدة تواصل الضغط والاحتواء، وإيران تحافظ على النظام وأدوات الردع، بينما تمنع الصين وروسيا انهيارها من دون الدخول في مواجهة مباشرة.
في المحصلة، يبدو تغيير النظام وفق النموذج العراقي الخيار الأكثر خطورة والأقل قابلية للضبط، بينما يمثل الدعم الصيني والروسي شبكة أمان مهمة لإيران، من دون أن يتحول إلى ضمانة دفاعية مطلقة. لذلك يرجح أن يبقى مستقبل إيران محكوماً بحالة "لا حرب شاملة ولا سلام نهائي"، مع انتقال متكرر بين التصعيد والتفاوض إلى أن تظهر تسوية نووية وأمنية أوسع أو يحدث تحول داخلي يعيد صياغة النظام من داخله.
*أستاذ الدراسات الإستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
ومن منظور استشرافي، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل إيران خلال السنوات المقبلة، تتراوح بين تغيير النظام بالقوة، وصمود الدولة بدعم شرقي غير مباشر، واستمرار حالة لا حرب ولا سلم.
السيناريو الأول: تكرار النموذج العراقي وتغيير النظام يقوم هذا السيناريو على انتقال الولايات المتحدة وحلفائها من سياسة احتواء إيران وإضعافها إلى إستراتيجية تستهدف إسقاط النظام، عبر ضربات عسكرية واسعة، وحصار اقتصادي شامل، واستهداف مؤسسات القيادة والحرس الثوري، بالتزامن مع دعم قوى المعارضة وتحريك الاحتجاجات الداخلية. ويشبه ذلك المسار الذي اتبعته واشنطن تجاه العراق، ابتداءً بالعقوبات وتدمير القدرات العسكرية وانتهاءً بإسقاط النظام وإعادة تشكيل الدولة.
لكن تطبيق النموذج العراقي على إيران يواجه صعوبات أكبر؛ فإيران أوسع مساحة وأكثر سكاناً، وتمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية متماسكة، وقدرة على الرد عبر الصواريخ والشبكات الإقليمية والممرات البحرية. كما أن إسقاط القيادة لا يعني تلقائياً بناء نظام مستقر، بل قد يفتح المجال أمام صراع داخلي وتفكك مؤسسات الدولة وانتشار الفوضى في الخليج وآسيا الوسطى.
فرص التحقق: تصاعد القناعة الأميركية بأن الضربات المحدودة والعقوبات غير كافية لمنع إيران من استعادة قدراتها النووية والعسكرية.
حدوث انقسام حاد داخل مؤسسات النظام، بالتزامن مع احتجاجات واسعة وانهيار اقتصادي يصعب احتواؤه.
تشكل تحالف دولي وإقليمي مستعد لتحمل تكاليف المواجهة العسكرية ومرحلة ما بعد إسقاط النظام.
شروط التحقق: توافر غطاء سياسي وقانوني دولي، أو وقوع حدث أمني كبير يمنح واشنطن مبرراً للتدخل الشامل.
وجود بديل سياسي إيراني منظم يمتلك شرعية داخلية وقدرة على إدارة الدولة بعد التغيير.
ضمان تحييد الرد الإيراني وحماية القواعد الأميركية ودول الخليج وإمدادات الطاقة من التداعيات.
وعليه، تبقى احتمالية هذا السيناريو منخفضة إلى متوسطة بسبب تكلفته العسكرية والبشرية واحتمالات تحوله إلى حرب إقليمية طويلة.
السيناريو الثاني: الدعم الصيني والروسي غير المباشر وصمود إيران يفترض هذا السيناريو نجاح إيران في امتصاص الضغوط والمحافظة على تماسك النظام من خلال دعم صيني وروسي غير مباشر. ولا يعني ذلك دخول بكين أو موسكو في حرب دفاعاً عنها، بل تقديم مظلة سياسية ودبلوماسية، واستمرار قنوات التجارة والطاقة، وتوفير التكنولوجيا والمعلومات والتعاون العسكري المحدود، ومساعدة طهران على الالتفاف على العقوبات.
ترتبط إيران بروسيا بمعاهدة شراكة إستراتيجية شاملة، كما تؤكد الصين دعم سيادة إيران ورفض العقوبات الأحادية والضغوط العسكرية، مع تفضيلها التسوية السياسية على المواجهة المباشرة. الكرملين، وزارة الخارجية الصينية
فرص التحقق: حاجة الصين إلى استقرار إمدادات الطاقة، ورغبة روسيا في منع توسع النفوذ الأميركي بالقرب من حدودها الجنوبية.
امتلاك إيران قاعدة صناعية وعسكرية وخبرة طويلة في التكيف مع العقوبات وإدارة الاقتصاد الموازي.
استفادة طهران من عضويتها في منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس لتوسيع بدائلها الاقتصادية والسياسية.
شروط التحقق: استمرار التماسك داخل مؤسسات الدولة ومنع انتقال الأزمة الاقتصادية إلى انقسام سياسي وأمني واسع.
محافظة الصين وروسيا على قنوات التجارة والتمويل والتكنولوجيا رغم العقوبات والضغوط الأميركية.
تجنب إيران تجاوز خطوط حمراء تدفع واشنطن وحلفاءها إلى شن حرب شاملة أو فرض حصار كامل.
احتمالية هذا السيناريو متوسطة إلى مرتفعة، لكنه لا يقود إلى انتصار إيراني حاسم، بل إلى صمود مكلف يحافظ على النظام مع استمرار الضغوط.
السيناريو الثالث: استمرار حالة "لا حرب ولا سلم" وهو السيناريو الأكثر واقعية، ويقوم على استمرار التوتر والتهديدات والعقوبات والضربات المحدودة، مقابل بقاء قنوات التفاوض والوساطة مفتوحة. فلا تستطيع الولايات المتحدة تغيير النظام من دون تكلفة هائلة، ولا تستطيع إيران إنهاء العقوبات أو فرض إرادتها الإقليمية بصورة كاملة. وبذلك تستمر إدارة الأزمة بدلاً من تسويتها.
فرص التحقق: إدراك جميع الأطراف أن الحرب الشاملة قد تهدد أمن الخليج وتدفقات النفط والاقتصاد العالمي.
رغبة واشنطن في احتواء إيران من دون التورط في احتلال أو مشروع طويل لإعادة بناء الدولة.
حاجة إيران إلى التهدئة الجزئية لتخفيف الضغوط الاقتصادية مع رفضها تقديم تنازلات استراتيجية كاملة.
شروط التحقق: بقاء قنوات اتصال مباشرة أو غير مباشرة لمنع سوء الحسابات والانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. ضبط إيران مستوى التصعيد النووي والإقليمي ضمن حدود لا تستدعي تدخلاً عسكرياً واسعاً. نجاح القوى الإقليمية والوسطاء الدوليين في إنتاج تفاهمات جزئية حول الأمن والطاقة والملاحة.
تبدو احتمالية هذا السيناريو مرتفعة؛ لأنه يحقق الحد الأدنى من مصالح جميع الأطراف. فالولايات المتحدة تواصل الضغط والاحتواء، وإيران تحافظ على النظام وأدوات الردع، بينما تمنع الصين وروسيا انهيارها من دون الدخول في مواجهة مباشرة.
في المحصلة، يبدو تغيير النظام وفق النموذج العراقي الخيار الأكثر خطورة والأقل قابلية للضبط، بينما يمثل الدعم الصيني والروسي شبكة أمان مهمة لإيران، من دون أن يتحول إلى ضمانة دفاعية مطلقة. لذلك يرجح أن يبقى مستقبل إيران محكوماً بحالة "لا حرب شاملة ولا سلام نهائي"، مع انتقال متكرر بين التصعيد والتفاوض إلى أن تظهر تسوية نووية وأمنية أوسع أو يحدث تحول داخلي يعيد صياغة النظام من داخله.
*أستاذ الدراسات الإستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات