تهاني روحي تكتب: حين تكون المدرسة موجودة من أجله

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 8190
تهاني روحي تكتب: حين تكون المدرسة موجودة من أجله
تهاني روحي

تهاني روحي

قد يجلس الطالب بين زملائه، ويرتدي الزيّ نفسه، وتُلتقط له الصور في المناسبات المدرسية، ومع ذلك يبقى وحيداً خلف عوائق لا يراها أحد. السؤال هو، هل تعلّم، وشارك، وشعر بالأمان، واستطاع أن يخبرنا بما يعرفه بطريقته؟ من هنا يبدأ الدمج الحقيقي.


هذا ما ظل يتردد في ذهني خلال الملتقى التدريبي الأول الذي نظمه مركز المسار لخدمات تطور الطفل بعنوان «من التنوع إلى التمكين»، بحضور سمو الأمير مرعد بن رعد بن زيد، ومشاركة مجموعة من الخبراء والمختصين والأسر. لم تلفتني كثرة الجلسات على أهمية موضوعاتها بقدر ما لفتتني محاولتها إنزال فكرة التعليم الدامج من رفوف السياسات إلى مكانها الطبيعي، داخل الصف، وفي ورقة الامتحان، وفي الطريقة التي ينظر بها المعلم إلى الطالب.
مركز المسار، الذي بدأ عام 2006 بمبادرة مختصين في التأهيل والتربية الخاصة، أكمل عشرين عاماً من العمل مع الأطفال والأسر والمدارس. وما يجعل تجربته جديرة بالتوقف هو أن فلسفته تبدأ من فردية الطفل وكرامته، وترى نقاط قوته قبل أن تختصره في تشخيص أو تحدٍّ. إنها تجربة أردنية تراكمت فيها الخبرة، وانتقلت من تقديم خدمات تعليمية وعلاجية متخصصة إلى دعم الطلبة داخل المدارس وتطوير خطط فردية وأدوات تجمع الأسرة والمعلم والمختص حول طفل واحد، بدلاً من أن يعمل كل منهم في جزيرة.
ومن أكثر الأفكار التي نوقشت في أروقة الجلسات الفرعية، ضرورة الفصل بين هدف التعلّم والمهارة المستخدمة لقياسه. حين نطلب من طالب أن يقرأ نصاً، ثم نطالبه بكتابة ملخص، هل نقيس فهمه للموضوع، أم قدرته على القراءة والكتابة؟ قد يكون الطالب قد فهم الأفكار كلها، لكن صعوبة القراءة أو الكتابة منعته من إثبات ذلك. وهنا لا يكون العجز في المعرفة، بل في الأداة الوحيدة التي اخترناها لقياسها.
وقد يصل طالب إلى درس العلوم عبر كتاب صوتي، ويشرح آخر ما فهمه شفهياً. وقد يحتاج طفل إلى وقت إضافي، أو ضوضاء أقل، أو إضاءة مختلفة، أو مساحة صغيرة للحركة. لا يعني ذلك أننا خفضنا سقف التعلّم أو منحناه امتيازاً؛ نحن فقط أزلنا العائق أمامه. فالمساواة تقدم للجميع الشيء ذاته، أما الإنصاف فيمنح كل طالب ما يحتاجه كي تتاح له فرصة حقيقية.
أحياناً نتعامل مع الطفل المختلف وكأنه مطالب بأن يبذل جهداً مضاعفاً كي يناسب مدرسة صُممت على مقاس طالب واحد لا وجود له في الواقع. نطلب منه أن يهدأ، وأن يركز، وأن يكتب بالطريقة نفسها، وفي الوقت نفسه، ثم نصفه بالعجز عندما لا ينجح. فالصف الدامج ليس صفاً بلا معايير، بل صف واضح في أهدافه ومرن في طرق الوصول إليها.
لذلك كان حضور الأسر في الملتقى مهماً. فهي ليست ضيفاً يُستدعى لسماع تقرير، بل شريك يعرف التفاصيل. والمعلم لا يُطلب منه أن يصبح معالجاً، لكنه هو الذي يرى الطالب كل يوم ويستطيع أن يلاحظ العائق مبكراً. وحين يلتقي هذا الفهم مع خبرة المختص ودعم المدرسة، تصبح الخطة الفردية حياة يومية.
لدينا في الأردن تشريعات وسياسات تؤكد الحق في التعليم الدامج، لكن المسافة بين القانون والمقعد المدرسي تظل الاختبار الأصعب. ولهذا تستحق تجربة مركز المسار أن تُدرس ويُبنى عليها؛ لا بوصفها مناسبة احتفالية، بل خبرة أردنية تقول إن الدمج ممكن حين يتحول إلى ممارسة مشتركة لا بطولة فردية. وربما يبدأ التمكين حين يكون الطالب موجوداً في المدرسة، وأن تكون المدرسة موجودة من أجله وهنا يصنع الفارق.
نحن بحاجة إلى نماذج أردنية توثق ما نجح وما تعثر، وتدرب المعلمين، وتبني جسوراً بين الخبرة المتخصصة والتعليم العام، حتى لا يبقى الدمج مشروع أفراد متحمسين أو مدارس محدودة. التنوع ليس مشكلة ينبغي للمدرسة أن تديرها، بل حقيقة إنسانية ينبغي أن تبني تعليمها على أساسها.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم