متى يتحول الثراء البيئي إلى رغد اقتصادي؟ تقف محافظة عجلون على عرش الطبيعة الأردنية، متوشحة بعباءة غاباتها الساحرة، ومكتنزة بثروة بيئية وتاريخية تُعد بحق "الذهب الأخضر" للمملكة. بين قلعتها الصامدة، وجبالها الكثيفة بتموجات البلوط والسنديان، ومناخها الاستثنائي، تحمل المحافظة كل مقومات التحول إلى مقصود سياحي عالمي. ولكن تحت هذا الغطاء النباتي الأخير من الجمال، تُختبئ واقعية ممرورة: أبناء عجلون، وهم الحراس الحقيقيون لهذه الثروة، ما زالوا يعيشون على هامش المشهد السياحي بدلاً من أن يكونوا صُنّاعه والمستفيدين الأوائل منه. إن التناقض الصارخ بين ثراء الجغرافيا وفقر الدخل في عجلون يطرح سؤالاً ملحاً: لماذا تنعكس الحركة السياحية زواراً وحافلاتٍ يمرون سريعاً، دون أن تترك أثراً ملموساً في جيوات الناس وأرزاقهم؟ تكمن الإشكالية الأولى في نمط السياحة العابرة. تتدفق الأفواج السياحية والزوار في عطلة نهاية الأسبوع، ينهبون أوقاتاً بين الأحراش أو يزورون القلعة والمشروع الحديث للتلفريك، ثم يغادرون دون أن يكتمل الغذاء أو المبيت داخل جدران المحافظة. هذا النمط لا يصنع اقتصاداً محلياً مستداماً، بل يترك خلفه تشوهاً بيئياً وضغوطاً على البنية التحتية المتهالكة أساساً، في ظل غياب خطة شمولية تجبر أو تشجع السائح على إطالة مدة إقامته. أما العائق الثاني فيتجلى في مركزية الاستثمار وضعف التمكين. تميل المشاريع الكبرى وغالباً المنشآت السياحية إلى احتكار العوائد لصالح استثمارات خارجية أو هيئات مركزية، في حين تُحاصر المبادرات الشبابية والمشاريع المحلية الصغرى ببيروقراطية معقدة ونقص في التمويل والتأهيل. ابن عجلون، الشغوف بتقديم ثقافة منطقته ومنتجاتها الزراعية والحرفية، يجد نفسه إما عاملاً بأجور زهيدة في منشأة سياحية، أو بائعاً موسمياً على قارعة الطريق يخوض معركة يومية مع المنع والترخيص. ولكي يخرج أبناء المحافظة من حافة المشهد إلى قلبه، لم يعد ينفع اكتفاء الجهات المعنية بالترويج الشكلي، بل نحن بحاجة إلى إعادة هيكلة فلسفة السياحة في عجلون: دعم سياحة المجتمعات المحلية (Community-Based Tourism): تحويل البيوت التراثية إلى فنادق صغيرة (B&Bs)، وتسهيل تراخيص المزارع السياحية والتجارب المنزلية (كطهي الأطباق العجلونية الأصلية) ليكون المردود المالي مباشراً للأسر. ربط المنتجات الزراعية بالسياحة: التوسع في سياحة قطاف الزيتون، ومهرجانات المنتجات الريفية (كالكشك، والزيت، والدبس، والعسل)، وتوفير أسواق دائمة ومجهزة لأبناء المحافظة لعرض منتجاتهم بدلاً من البيع العشوائي. تطوير البنية التحتية والمسارات: السياحة ليست فقط تلفريك وقاطرة، بل هي مسارات سياحية وتلفريك ينتهي بأسواق ومراكز خدمات، ومرافق صحية عامة تنشّط الحركة في القرى المجاورة وليس فقط في البؤر السياحية التقليدية. التدريب والتدريب المتخصص: تأسيس معاهد تدريبية في عجلون متخصصة في إدارة الفنادق والتدلاء السياحيين وصناعة الضيافة الريفية لتمكين الشباب من إدارة مشاريعهم الخاصة. إن عجلون ليست مجرد متنفس بيئي يُزار لساعات ثم يُنسى، بل هي ركيزة اقتصادية معطلة. ولن يتحقق مفهوم السياحة المستدامة إلا عندما يشعر ابن عجلون أن كل سائح يدخل منطقته هو شريك في تنميتها، وأن الذهب الأخضر ليس مجرد لوحة يتأملها الزائرون، بل ثروة حقيقية تُطعم أطفالها وتفتح آفاق المستقبل لشبابها.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات