د. نور الدين المجالي يكتب: (البَحْش) العلمي!

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 7460
د. نور الدين المجالي يكتب: (البَحْش) العلمي!
د. نور الدين المجالي

د. نور الدين المجالي

ثَمّة فرقٌ واضح بين أن تبحث عن شيء، أو أن (تَبحَش )عنه؛ فالبحث قد يبدأ من إشكالية محورية، أمّا البَحْش فيوحي بأنك لن تكتفي بما يطفو على السطح؛ لأنك ستأخذ أدواتك، وتزيل أتربة السطح طبقةً طبقة، وتواصل الحفر حتى تصل إلى ما اختبأ في العمق. ولعلّ في هذا التشبيه شيئًا من طبيعة البحث العلمي الحقيقي؛ فالباحث لا يتعامل مع الظاهرة كما تبدو للوهلة الأولى، ولا يرضى بأول إجابة يجدها عنها، وإنما يحاول أن ينفذ إلى ما وراءها: إلى أسبابها، وسياقها، والعوامل التي أنتجتها، والنتائج التي ستترتب عليها وإذا تأملنا هذا التشبيه أكثر، وجدنا بأنّ معنى بحثَ في معجمات اللغة هو ما ورد في اللسان عند ابن منظور: "فالبحث هو التنقيب والحفر و التفتيش في التراب باليد" إذن، البحث أشبه بالبدء بتخطيط مكان الحفرة في نطاق دائرة ضيقة صعبة وقشرة سميكة صلبة، وبعد معاناة وصعوبة الحفر بالمعول ، ما تلبث الدائرة بالاتساع على شكل مخروطي، وكلما تعمق استمر الحفر اتسعت الدائرة، وصار من السهولة بمكان أن النزول والتعامل بسلاسة مع أدوات الحفر . وكذلك البحث هو حفرة تحتاج إلى عامل قوي صبور، حتما سيصل إلى مبتغاه عندما تتسع الدائرة بتجويفاته الهندسية المستمرة لجوانب الحفرة، والنزول البطيء إلى أن يصل إلى الطبقة الصخرية التي تتوقف معها عملية الحفر والوقوف على أرض صلبة، ونتائج سليمة وثابتة عندها يجني ثمرة جهوده إن الحفرة لا تُنجز بضربةٍ واحدة، وكذلك المعرفة لا تُكتسب بخطوةٍ واحدة؛ في البداية تكون الأرض سهلة، ثم تبدأ الطبقات الأكثر صلابة، ومن الخطأ أن يتوهم الحفّار أنّه لم يعد هناك ما يستحق الاستمرار، غير أن العامل الماهرهو من يعرف أنّ القيمة ليست فيما أخرجه من التراب فقط، بل فيما يمكن أن يجده إذا ما واصل عملية الحفر والغوص إلى العمق. وهكذا هو الباحث؛ يبدأ بسؤالٍ قد يبدو ساذجا غير ذي قيمة، ثم يكتشف، كلما تعمّق، أنّ وراء السؤال سؤالًا آخر، ووراء السبب أسبابًا، وخلف الظاهرة سياقاتٍ وعواملَ متشابكة قد يبدأ الباحث بسؤال: لماذا حدثت هذه الظاهرة؟ لكنه، مع تقدّم البحث، يجد نفسه أمام أسئلة أكثر عمقًا: ما سبب هذه الظاهرة؟ وما الظروف التي سمحت بحدوثها؟ وهل توجد تفسيرات أخرى لها؟ وهل الأدلة التي بين أيدينا كافية؟ وهل النتيجة التي توصلنا إليها تنطبق على جميع الحالات المشابهة ، أم هي على هذه الظاهرة وحسب ؟ عند هذه النقطة تحديدًا، يتحوّل البحث من مجرد جمعٍ للمعلومات والبيانات إلى حفرٍ في طبقات المعرفة. ومن هنا تظهر أحد أهم الفوارق بين الباحث والناقل؛ فالباحث الذي لا (يبحش) في موضوعه، قد يتحوّل إلى مجرّد جامعٍ للمعلومات؛ يقرأ عشرات الصفحات، ويضع عشرات المراجع، ثم يعيد ترتيب ما قاله الآخرون، دون أن يضيف شيئًا حقيقيًا. أمّا الباحث الذي (يبحش) فإنه لا يكتفي بأن يسأل: «ماذا قيل؟»، بل يتولد لديه الشك الديكارتي ليسأل أيضًا: «لماذا قيل؟ وهل هو صحيح؟ وما الذي لم يُقَل؟» وهذه المسافة هي التي تمنح البحث قيمته العلمية، وتجعل الباحث شريكًا في إنتاج المعرفة، لا مجرد ناقلٍ لها غير أنّ الحفر، كما نعرف، لا يكون ذا قيمة لمجرّد أنّه عميق؛ فالمهم هو أن تعرف أين تحفر؟ ولماذا تحفر؟ وماذا تتوقع؟ والأمر ذاته ينطبق على البحث العلمي؛ فليس المطلوب أن يكون البحث طويلًا لمجرّد الطول، ولا أن يمتلئ بالمراجع لمجرّد كثرتها. فقد يكون بحثٌ في عشر صفحات أكثر عمقًا وقيمةً من بحثٍ في مئة صفحة، إن صيغ الأول وفق منهجية البحث وحددت مشكلته بدقة، واختيرت أدواته بعناية، وتوقع الوصول إلى نتائج تستند إلى أدلة واضحة. ولأنّ الوصول إلى العمق يتطلب شجاعة، فإنّ البَحْش العلمي ليس عمليةً مريحة دائمًا. فكلما تعمّق الباحث، ازدادت احتمالات أن يصطدم بما يخالف فكرته الأولى، وهنا تظهر أخلاق الباحث الحقيقية: هل سيغيّر فكرته عندما تخالفها الأدلة، أم سيحاول تغيير الأدلة لتناسب فكرته؟ الباحث الحقيقي لا يحفر بحثًا عن إجابة يريدها مسبقًا؛ بل يحفر بحثًا عن إجابة صحيحة، حتى لو كانت مختلفة عمّا كان يتوقعه. ومن هنا يمكن القول إنّ أخطر ما يمكن أن يصيب البحث العلمي، هو أن يبدأ الباحث ومعه «النتيجة»، ثم يبحث فقط عمّا يؤيدها. عندها لا يعود ما يقوم به بحثًا بالمعنى الحقيقي، بل يصبح محاولةً لتجميل قناعةٍ سابقة بالمراجع والاقتباسات. أمّا البَحْش الحقيقي، فيترك للنتيجة فرصة أن تتشكّل من خلال الأدلة، لا أن تُفرض عليها من البداية وهذا النوع من البحث يحتاج إلى الصبر؛ فقد تحفر طويلًا ولا تجد شيئًا. وقد تجد شيئًا، ثم تكتشف أنّه ليس ما كنت تبحث عنه. وقد تصل إلى طبقةٍ أعمق، فتكتشف أنّ السؤال الذي بدأت به كان خاطئًا أصلًا، وهذه ليست خسارة؛ بل قد تكون أهم نتيجة توصلت إليها، لأنّ العلم لا يتقدّم دائمًا عندما نجد الإجابات، بل يتقدّم أيضًا عندما نكتشف أنّ أسئلتنا تحتاج إلى إعادة صياغة ولعلّ أجمل ما في تشبيه البحث بالبحش أنّ الحفّار يترك وراءه أثرًا في الأرض، كما يترك الباحث أثرًا في المعرفة. فإذا كان الحفر عميقًا ومدروسًا، بقي أثره واضحًا، وإذا كان عشوائيًا، لم ينتج إلا حفرةً أخرى في الأرض. وكذلك البحث؛ فالبحث الجيد لا يضيف صفحاتٍ جديدة إلى المكتبات فحسب، بل يضيف وعيا جديدًا إلى المعرفة، أو يراجع فكرةً قائمة، أو يكشف جانبًا لم يكن واضحًا من قبل. لذلك، ربما نحتاج أحيانًا إلى أن نتوقف عن استخدام عبارة «البحث العلمي» بمعناها المعتاد، وأن نتخيّلها بصورةٍ أكثر قربًا إلى جوهرها: البحث العلمي هو بَحْشٌ في طبقات الحقيقة. نحفر في السؤال، ثم نحفر في الفرضية، ثم نحفر في الأدلة، ثم نحفر في التفسيرات، حتى نصل إلى طبقةٍ يمكن أن نقف عليها بثقة واطمئنان. وكلما كان الموضوع أعمق، احتاج الباحث إلى أدواتٍ أفضل، وصبرٍ أطول، ونزاهةٍ أكبر؛ لأنّ التراب لا يخبرك بما تحته من تلقاء نفسه، والمعرفة كذلك. وما لم تمتلك شجاعة الحفر، ستبقى معرفتك أسيرةً لما يظهر على السطح وفي النهاية، قد يكون الفرق بين من يقرأ موضوعًا ومن يبحث فيه، هو الفرق نفسه بين من يمشي فوق الأرض، ومن يحفر فيها. الأول يرى ما يظهر أمام عينيه، أمّا الثاني فيسأل عمّا يوجد تحت قدميه ، فالبحث لمن يسأل، والبَحْش لمن يريد أن يصل.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم