حين لا يشبه القدر ما تمنّيناه نأتي إلى هذه الحياة بقلوبٍ لا تعرف في بداياتها سوى الرغبة في أن تعيش ثم تكبر فينا الأمنيات شيئًا فشيئًا فنحلم ونخطط ونسعى ونركض خلف الأيام كأننا قادرون على أن نكتب نهاياتها بأيدينا نصنع لأنفسنا طريقًا نراه جميلًا ونضع عليه أحلامنا واحدًا تلو الآخر نريد أن ننجح أن نحب أن نُحَب أن نصل أن نبقى مع من نحب أن نحقق ما طال انتظاره وأن نثبت لأنفسنا وللعالم أن كل ذلك التعب لم يكن عبثًا ثم… يحدث شيء لم نحسب له حسابًا حين تتبدل الخريطة. يغلق بابٌ كنا نظن أننا سنعبره ويبتعد شخصٌ كنا نظن أن العمر سيبقيه ويسقط حلمٌ حملناه طويلًا حتى صار جزءًا من هويتنا وفجأة نجد أنفسنا واقفين في منتصف الطريق نحمل في أيدينا بقايا ما خططنا له وفي قلوبنا سؤالًا واحدًا لا يجد جوابًا: لماذا؟ وهنا يبدأ ذلك الألم الذي لا يراه أحد فأشد الألم ليس دائمًا في الأشياء التي تحدث لنا بل في الأشياء التي تحدث داخلنا بسببها أن تستيقظ وفي داخلك فراغٌ لم يكن موجودًا بالأمس أن تبتسم للناس بينما في أعماقك شيءٌ ما ينهار بصمت أن تمارس يومك بصورة طبيعية تذهب وتعمل و تتحدث و تضحك وتجيب حين يسألك أحدهم: «كيف حالك؟» بكلمة صغيرة: «بخير»… بينما الحقيقة أن في داخلك معركة طويلة لا يسمع صوتها أحد إنه ذلك النوع من الألم الذي لا يترك جرحًا على الجسد لكنه يترك ثقلًا على الروح تجلس وحدك فتبدأ الذاكرة في استعادة كل شيء تعيد المشهد مئات المرات وتبحث عن لحظة كان يمكن أن تتصرف فيها بطريقة مختلفة تقول لنفسك: لو أنني فعلت كذا… لو أنني انتظرت أكثر… لو أنني لم أقل تلك الكلمة… لو أنني تمسكت أكثر… لو أنني حاولت مرة أخرى… نُعذب أنفسنا أحيانًا بمحاولة إعادة كتابة الماضي مع أن الماضي لا يعود. والأشد قسوة أنك لا تفقد الشيء وحده بل تفقد معه المستقبل الذي كنت قد بنيته في خيالك فحين تفقد حلمًا لا تفقد الحلم فقط بل تفقد كل المشاهد التي رسمتها بعد تحققه تفقد الحياة التي تخيلت أنك ستعيشها وحين يرحل شخص قد لا يؤلمك غيابه وحده بل يؤلمك أيضًا كل «غد» كنت قد وضعته بجواره في مخيلتك ولهذا يكون الفقد عظيمًا إلى هذا الحد لأننا لا نبكي دائمًا على ما كان بل نبكي أيضًا على ما كان يمكن أن يكون وهنا يقف الإنسان أمام حقيقة عظيمة لكنها موجعة: نحن نسعى لكننا لا نملك النتيجة. نخطط لكننا لا نملك الغد. نحب لكننا لا نملك بقاء من نحب. نزرع لكننا لا نملك شكل الحصاد. وهذه الحقيقة ثقيلة على النفس لأن الإنسان بطبيعته يحب السيطرة يحب أن يعرف إلى أين يمضي وأن يشعر أن جهده سيقوده بالضرورة إلى ما يريد لكن الحياة لا تسير دائمًا بهذه الطريقة أحيانًا تبذل كل ما تستطيع ثم لا تحصل على ما أردت ليس لأنك لم تكن كافيًا وليس لأن تعبك لم يكن له معنى وليس لأن الله لم يرَ دموعك في الليالي التي لم يعرف بها أحد ولكن لأن هناك فرقًا شاسعًا بين ما نراه نحن من الطريق، وما يعلمه الله عن نهايته نحن نرى اللحظة والله يعلم القصة كاملة نحن نرى الباب المغلق ولا نرى ما وراءه نحن نرى المنع ولا نرى الحكمة نحن نرى التأخير ولا نرى ما يُهيّأ لنا خلاله نحن نرى الخسارة ولا نرى أحيانًا ما أنقذتنا منه ولهذا فإن أصعب مراحل الحياة ليست حين نتألم فقط بل حين نتألم ولا نفهم فالألم الذي نجد له تفسيرًا يمكن احتماله أما الألم الذي نقف أمامه عاجزين عن فهم سببه فإنه يتسلل إلى أعمق مناطق الروح. نسأل كثيرًا: لماذا أنا؟ لماذا الآن؟ لماذا بعد كل هذا السعي؟ لماذا أعطيت قلبي لهذا الحلم ثم أُخذ مني؟ ولماذا جعلتني أتعلق بشيء لم يكن لي؟ وقد لا تأتي الإجابة سريعًا وربما لا تأتي بالطريقة التي نريدها لكن الإيمان لا يعني أن نفهم كل شيء، بل يعني أن نثق بمن يعلم كل شيء وهنا يبدأ التحول الحقيقي داخل الإنسان أن تنتقل من مقاومة القدر إلى مصادقته من سؤال: لماذا لم يحدث ما أريد؟ إلى سؤال: ماذا يريد الله أن يصنع فيَّ من خلال ما حدث؟ فبعض الأقدار لا تأتي لتمنحنا شيئًا بل لتُخرج منا شيئًا. قد يأتي الألم ليهذب غرورًا أو يكشف حقيقة أو يغير نظرتنا للحياة أو يعلمنا الصبر أو يعيد ترتيب قلوبنا أو يجعلنا نعرف أنفسنا للمرة الأولى وقد تأتي بعض الخسارات لتعيدنا إلى الله بعد أن أخذتنا الحياة بعيدًا ليس معنى هذا أن الألم يصبح جميلًا لحظة وقوعه قطعاً لا. هناك أوجاع لا يمكن تجميلها بالكلمات وهناك ليالٍ طويلة يكون فيها الصبر نفسه متعبًا وهناك لحظات يشعر فيها الإنسان أنه استنفد كل قدرته على التماسك فيبكي لا لأنه ضعيف بل لأنه حمل فوق قلبه أكثر مما يستطيع وفي تلك اللحظات لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى نصيحة أحيانًا يحتاج فقط إلى أن يُسمح له بأن يحزن ... أن يبكي ...أن يعترف بأن قلبه موجوع ثم حين يهدأ قليلًا، يبدأ في التعلم كيف يحمل هذا الألم دون أن يسمح له بأن يهدم إيمانه فالشفاء ليس أن تنسى ما حدث وليس أن تستيقظ ذات صباح وكأن شيئًا لم يكن الشفاء الحقيقي هو أن تتذكر ما حدث دون أن تعود إلى المكان نفسه من الانكسار أن يبقى الأثر لكن يخفّ وجعه أن تتذكر الباب الذي أُغلق دون أن تقف طوال عمرك أمامه أن تفهم أخيرًا أن بعض الأبواب لم تُغلق لتُعاقب وإنما أُغلقت لأن الطريق لم يكن لك وربما أجمل ما في الإنسان أنه يستطيع رغم كل شيء أن يبدأ من جديد. قد ينكسر الحلم لكن لا يجب أن ينكسر الإنسان معه وقد يتغير الطريق لكن لا يعني ذلك أن الرحلة انتهت وقد يأخذ الله منك شيئًا كنت تظنه آخر سعادتك ثم يفتح لك بعد صبرٍ طويل نافذة لم تكن تراها أصلًا وفي يوم ما بعد أن تهدأ العاصفة ستلتفت إلى الوراء ستتذكر تلك الأيام التي ظننت أنك لن تتجاوزها ستتذكر دموعك وحيرتك ووحدتك وكل الأسئلة التي أرهقت قلبك وربما تبتسم ليس لأنك نسيت الألم بل لأنك أدركت أخيرًا أن الألم لم يكن نهاية قصتك حينها فقط قد تفهم أن الله لم يكن يأخذك بعيدًا عن حياتك بل كان يأخذك نحو الحياة التي لم تكن تعرف أنها تنتظرك. وربما ستقول بقلبٍ أكثر نضجًا وطمأنينة: يا رب كم بكيت لأنك لم تعطِني ما أردت… ثم اكتشفت أنني كنت أبكي لأنني لم أكن أعرف ما كنتَ تختاره لي فليس كل ما نتمناه خيرًا وليس كل ما نفقده شرًا وبين ما نريده نحن وما يختاره الله لنا توجد مساحة اسمها الابتلاء والصبر والثقة والنضج والرحمة الخفية وفي تلك المساحة تحديدًا… تتغير الأرواح. هناك حيث يبكي الإنسان وحده ثم يمسح دموعه ويكمل هناك حيث لا يفهم شيئًا لكنه يقول رغم كل شيء: سأبقى أثق بالله حتى في الطريق الذي لم أختره ولعل أعظم الطمأنينة ليست أن تعرف ماذا سيحدث غدًا بل أن تعرف من الذي يحمل غدك. موفق عبدالحليم ابودلبوح
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات