«ناقش ريشه»… فلسفة الكِبَر القديمة الجديدة الدكتور علي الصلاحين صورة شعبية دقيقة تختزل موقفًا إنسانيًا واجتماعيًا متجذرًا في طبيعة البشر: أن يسعى الإنسان إلى تكبير صورته في أعين الآخرين، لا بتكبير حقيقته، وإنما بنفش ما حولها من ريش. فالريش قد يجعل الطائر يبدو أضخم، لكنه لا يزيده قوة ولا يغير من حقيقته شيئًا. وكذلك الإنسان؛ قد تحيطه الألقاب والمظاهر والعلاقات والحديث عن النفوذ والمكانة، فيبدو أكبر من حجمه الحقيقي، لكن المواقف وحدها تكشف ما وراء الريش. وفلسفة «ناقش ريشه» تقوم على مفارقة واضحة بين الحقيقة والصورة. فهناك إنسان يبني قيمته من داخله، بالعلم والخبرة والخلق والموقف، وهناك من يبنيها في أعين الناس من الخارج، بما يحرص على إظهاره من جاه ومال وشهادات ومناصب ومعارف. الأول لا يحتاج إلى كثير من الشرح؛ أفعاله تتحدث عنه، أما الثاني فيظل مشغولًا بإدارة صورته، يحرص على أن يُرى كما يريد، لا كما هو. وهذه ليست ظاهرة جديدة. فمنذ أن عرف الإنسان الاجتماع، عرف معه التفاوت والتفاخر والتباهي. كان بعض الناس يتكئون على النسب، أو كثرة المال، أو القوة، أو كثرة الأتباع، ليصنعوا لأنفسهم منزلة أعلى من غيرهم. واليوم تبدلت الأدوات، لكن جوهر السلوك بقي حاضرًا؛ فأصبح الريش الحديث قد يكون لقبًا، أو منصبًا، أو سيارة، أو مجلسًا، أو صورة مع شخصية نافذة، أو عددًا من المتابعين، أو استعراضًا مستمرًا للإنجازات والعلاقات. لم يعد المطلوب عند البعض أن يكون مهمًا، بل أن يبدو مهمًا. والكِبَر في صورته الأعمق لا يظهر دائمًا في الكلام الفظ أو السلوك المتعالي؛ فقد يكون أكثر نعومة من ذلك. قد يتخفى خلف ابتسامة محسوبة، أو لغة منتقاة، أو تجاهل متعمد، أو إحساس دائم بأن الآخرين أقل شأنًا. وقد يظهر في شخص لا يحتمل أن يُراجع، ولا يقبل أن يقال له: أخطأت، ويعتبر اختلاف الرأي معه انتقاصًا من مكانته. وقد يظهر في آخر لا يستطيع أن يسمع نجاح غيره دون أن يعيد الحديث إلى نفسه، ولا يرى إنجازًا للآخرين إلا ويبحث عن طريقة لتصغيره. وهنا يصبح الكِبَر أكثر من صفة سلوكية؛ يصبح طريقة في النظر إلى الناس وإلى الذات. فالمتكبر لا يكتفي بأن يرى نفسه كبيرًا، بل يحتاج غالبًا إلى أن يرى الآخرين أصغر منه حتى تستقيم الصورة في داخله. ولذلك قد يكون أكثر الناس حديثًا عن المكانة أقل الناس اطمئنانًا إلى مكانتهم، لأن الإنسان الواثق من قيمته لا يحتاج في كل مرة إلى إثباتها. والأخطر أن «نفش الريش» قد يتحول مع الزمن إلى حالة من الوهم الذاتي. يبدأ الإنسان بصناعة صورة يريد أن يراها الناس، ثم يكررها طويلًا حتى يصدقها هو نفسه. عندها تصبح النصيحة إهانة، والنقد حسدًا، والمراجعة إساءة، والاختلاف خصومة. ولا يعود السؤال: هل أنا على حق؟ بل يصبح: كيف أحافظ على صورتي أمام الآخرين؟ وهنا تنتقل النفس من البحث عن الحقيقة إلى حماية الأنا. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أخذت هذه الظاهرة مساحة أوسع؛ لأن الإنسان أصبح قادرًا على اختيار المشهد الذي يقدمه عن نفسه، وانتقاء اللحظة التي يريد أن يراه الناس فيها. يمكن لصورة واحدة أن تمنح صاحبها هيئة من الثراء، ولعبارة منمقة أن تمنحه صورة من الحكمة، وظهور متكرر مع أصحاب النفوذ أن يمنحه إيحاء بالمكانة. وهكذا أصبحت صناعة الانطباع أحيانًا أسهل من صناعة القيمة نفسها. لكن المشكلة ليست في أن يظهر الإنسان إنجازاته أو يفرح بنجاحه، فذلك حق طبيعي، ولا في أن يعتز بعلمه أو مهنته أو مكانته الاجتماعية. المشكلة تبدأ عندما تتحول النعمة إلى وسيلة للاستعلاء، والإنجاز إلى أداة لإلغاء الآخرين، والنجاح إلى مبرر للتعالي. فالثقة بالنفس تقول: أنا أعرف قيمتي، أما الكِبَر فيقول: يجب أن تعرفوا أنني أفضل منكم. وبين العبارتين مسافة أخلاقية واسعة. والإنسان الحقيقي لا يُختبر في لحظات القوة، بل في كيفية استعماله لها. يُعرف عندما يستطيع أن يرد الإساءة ولا يفعل، وأن يملك القرار ولا يظلم، وأن ينجح فلا يتنكر لمن وقفوا معه، وأن يُخطئ فيملك شجاعة الاعتراف، وأن يجلس مع من هم أقل منه مكانة دون أن يشعر أن ذلك ينتقص منه. فهذه هي اللحظات التي يسقط فيها الريش المصطنع، وتظهر حقيقة الإنسان. ولذلك فإن الحكمة في «ناقش ريشه» ليست دعوة إلى محاربة الناس أو فضحهم، بل دعوة إلى قراءة ما وراء المظهر. لا تنبهر بما ينفشه الإنسان حول نفسه، ولا تجعل كثرة الألقاب دليلًا على عمق صاحبها، ولا كثرة العلاقات دليلًا على محبته، ولا ارتفاع الصوت دليلًا على قوة حجته. فالزمن يملك قدرة عجيبة على تعرية المظاهر، والمواقف لا تعرف المجاملة، والأيام وحدها تكشف إن كان ما نراه قيمة حقيقية أم مجرد ريش منتفخ. وفي المقابل، أجمل ما في الإنسان أن تكون قيمته أكبر من حاجته إلى إثباتها. أن يدخل المجلس فلا يحتاج إلى أن يعلن مكانته، وأن يملك العلم فلا يحتقر الجاهل، وأن يملك المال فلا يرى الفقير أقل منه، وأن يملك السلطة فلا يجعلها طريقًا لإذلال الناس. تلك هي العظمة التي لا تحتاج إلى ريش. فالريش قد يزيد حجم الطائر في العين، لكنه لا يزيد قدرته على الطيران. وكذلك الإنسان، قد يكبر في أعين الناس بالألقاب والمظاهر والضجيج، لكنه لا يكبر في ميزان الحقيقة إلا بالعلم والخلق والمروءة والعمل. وبين من ينفش ريشه ليبدو كبيرًا، ومن يكبر حتى دون أن ينفش شيئًا، تتحدد المسافة بين صناعة الصورة وصناعة الإنسان. وربما لهذا بقيت الأمثال الشعبية أكثر صدقًا من كثير من الخطب؛ لأنها تقول العبارة الصغيرة وتترك للحياة أن تشرحها: «ناقش ريشه». انظر إلى ما يحيط به، ثم انظر إلى ما يملكه فعلًا. فليس كل من بدا كبيرًا كبيرًا، وليس كل من صمت صغيرًا؛ فبعض الناس يملكون ريشًا كثيرًا، وقليلًا من القدرة على الطيران، وبعضهم لا يلتفت أحد إلى ريشه أصلًا، لكنه حين تأتي لحظة الحقيقة…
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات