رندة القرالة تكتب: لمة زمان

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 18948
رندة القرالة تكتب: لمة زمان
م.رندة زيد القرالة

م.رندة زيد القرالة

لمة زمان... (بيت جدي) نرددها ونحن نبتسم، لكنها تخفي في أعماقها حنينًا لا ينطفئ. حنينًا إلى بيت كان يمتلئ بالأصوات، إلى مائدة كانت تتسع للجميع، إلى وجوه لم تكن تعرف الغياب، وإلى قلوب كانت تلتقي قبل أن تتلاقى الأجساد. سرقنا الزمن بهدوء... فلم ننتبه إلا حين أصبحت الصور تحفظ الضحكات، وأصبحت الشاشات تجمعنا أكثر مما تجمعنا البيوت. صرنا نطمئن على بعضنا برسالة، ونحتفل بمناسباتنا خلف الكاميرات، ونؤجل اللقاء حتى يسرقه موعد آخر. يا ليت الزمان يعود... لا لنغير الماضي، بل لنعيشه كما يستحق، ولنطيل الجلوس مع من كانوا يملؤون أعمارنا حياة، قبل أن يصبحوا ذكرى، أو صورة، أو دعاء في آخر الليل. لكنني كلما اشتد الحنين، أدركت أن الزمن لم يأخذ كل شيء... فمن بيت جدي، الذي أصبح ذكرى لا يمحوها الزمن، انتقلنا لنبني ذكريات جديدة في بيت والدي، حفظه الله ورعاه، وأطال في عمره، وأدام عليه نعمة الصحة والعافية. وهناك، بين تفاصيل الأيام، كنت أرى جدي حاضرًا دون أن أراه. أرى أبي في كثيرٍ من تفاصيله يشبه جدي؛ في كرمه، وفي حرصه على اجتماع العائلة، وفي ابتسامته التي تستقبل الجميع، وفي ذلك الدفء الذي يجعل للبيت روحًا لا تشبه سواها. وكأن أبي لم يكن يقلد جدي، بل كان يحمل رسالته، ويكمل الحكاية التي بدأها. فعادت إلينا في بيت أبي تلك التفاصيل الصغيرة التي ظننا أنها رحلت مع الزمن؛ رائحة القهوة، وصوت الأحاديث، وانتظار الجميع لموعد اللقاء، ولمة العائلة التي تمنح المكان نبضه، وكأن الزمن توقف احترامًا لهذه اللحظات. حينها أيقنت أن البيوت لا تصنعها الجدران، بل يصنعها من يسكنها. وأن الأجداد قد يرحلون بأجسادهم، لكنهم يبقون في أبنائهم أخلاقًا، وعطاءً، ودفئًا، وطمأنينة. فالقيم لا تورث بالكلمات، بل تورث بالمواقف، وتعيش في النفوس جيلاً بعد جيل. واليوم، عندما يقول أحدهم: "لمة زمان"، لا أراها مجرد عبارة، بل أراها بيت جدي... وأبي وهو يحفظ إرث ذلك البيت بكل حب، ليمنحه لنا، ولنحمله نحن من بعده إلى أبنائنا. حفظ الله أبي وأمي، وأطال في عمرهما، وأدام عليهم الصحة والعافية، وجعل بيتهم عامرًا بالمحبة كما كان بيت جدي عامرًا بها. ورحم الله جدي رحمةً واسعة، وجعل ذكراه الطيبة نورًا لا ينطفئ في قلوبنا. فبعض البيوت لا تغادرنا أبدًا... حتى وإن غادرناها، لأنها سكنت القلب قبل أن تسكن الأرض. م.رندة زيد القرالة
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم