د. زياد جلال الحنفي يكتب: هل نحتاج إلى ابن خلدون لإنقاذ التعليم .. أم لإنقاذ أنفسنا؟

منذ 16 ساعة
المشاهدات : 18502
د. زياد جلال الحنفي يكتب: هل نحتاج إلى ابن خلدون لإنقاذ التعليم ..  أم لإنقاذ أنفسنا؟
د. زياد جلال الحنفي

د. زياد جلال الحنفي

كلما تحدثنا عن إصلاح التعليم، اتجهت أبصارنا نحو أحدث التقنيات، وأحدث المنصات، وأحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وكأن أزمة التعليم تكمن في الوسائل وحدها. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو: ماذا لو كانت المشكلة أعمق من ذلك؟ ماذا لو كان الخلل في فلسفة التعليم نفسها؟
قبل أكثر من ستة قرون، وقف عبد الرحمن بن خلدون أمام مشهد التعليم في عصره، ولم ينشغل بما يُدرَّس بقدر ما انشغل بكيفية التدريس. لم يكن نقده موجهًا إلى المناهج، بل إلى العقلية التي تصنع تلك المناهج. هاجم الحفظ المجرد، وانتقد التلقين، ورفض الإغراق في المختصرات التي تُنتج حافظًا للمعلومات لا صانعًا للمعرفة.
كان يدرك أن الطالب الذي يحفظ دون أن يفهم، قد ينجح في الاختبار، لكنه سيفشل عندما يواجه الحياة.
واليوم، وبعد مرور قرون، يبدو أننا لم نتجاوز تلك الأزمة، بل أعدنا إنتاجها بصورة أكثر تعقيدًا. تغيرت القاعات الدراسية، وتطورت الشاشات، وأصبحت الكتب إلكترونية، لكن الفلسفة بقيت في كثير من الأحيان كما هي، بل ربما أصبحت أكثر قسوة.
لا يزال كثير من الطلاب يقيسون نجاحهم بعدد الصفحات التي حفظوها، لا بعدد الأفكار التي فهموها. وأصبحت المختصرات صناعة قائمة بذاتها، حتى غدا الكتاب الكامل عبئًا، والملخص هو الأصل، وأصبح السؤال الشائع قبل الامتحان: "ما المهم؟" لا "ما الذي سأتعلمه؟".
تحولت العلامة من نتيجة للتعلم إلى غاية للتعلم. ولم يعد كثير من الطلبة يدرسون ليعرفوا، بل ليجتازوا الامتحان. وهنا تبدأ أخطر مراحل الأزمة؛ لأن المؤسسة التعليمية عندما تجعل الامتحان مركز العملية التعليمية، فإنها تدفع المعلم إلى التلقين، والطالب إلى الحفظ، والمنهج إلى الاختزال، فتتحول المعرفة إلى سباق قصير ينتهي بانتهاء ورقة الامتحان.
ولعل المفارقة المؤلمة أن ما انتقده ابن خلدون قبل مئات السنين أصبح اليوم، في بعض المؤسسات التعليمية، سياسة غير معلنة. مدارس وجامعات تُقاس فيها الجودة بنسبة النجاح، لا بقدرة الطالب على التفكير. ومناهج تُختصر عامًا بعد عام، حتى أصبح الاختصار يختصر الفكرة نفسها. ومعلم يُطالب بإنهاء الكتاب أكثر من مطالبته ببناء العقل.

في المقابل، لم يكتفِ ابن خلدون بالنقد، بل قدّم تصورًا تربويًا متكاملًا سبق كثيرًا من النظريات الحديثة. فقد رأى أن التعلم ينبغي أن يقوم على التدرج، بحيث ينتقل المتعلم من البسيط إلى المركب، وعلى الفهم قبل الحفظ، وعلى التطبيق الذي يحول المعرفة إلى مهارة، وعلى التكرار المنظم الذي يرسّخ التعلم دون ملل، وعلى مراعاة طاقة المتعلم حتى لا يتحول التعليم إلى عبء يقتل الرغبة في المعرفة.
ولو تأملنا هذه المبادئ اليوم، لوجدنا أنها تشكل جوهر ما تتحدث عنه أحدث مدارس التربية، من التعلم البنائي، والتعلم القائم على المشروعات، والتعلم النشط، والتعليم المتمركز حول المتعلم. وكأن العالم اكتشف حديثًا ما كتبه ابن خلدون قبل قرون.
غير أن التحدي في زمننا أصبح أكثر تعقيدًا. فنحن لا نعيش فقط أزمة حفظ وتلقين، بل نعيش عصرًا يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يحفظ أكثر من أي إنسان، وأن يسترجع المعلومات في أجزاء من الثانية. فإذا ظل التعليم قائمًا على الحفظ، فما القيمة التي سيضيفها الإنسان في عالم تتفوق فيه الآلة على ذاكرته؟
إن المستقبل لن يكون للأكثر حفظًا، بل للأكثر فهمًا. ولن يكون للأسرع في استرجاع المعلومات، بل للأقدر على تحليلها ونقدها وإعادة إنتاجها. وهنا تكتسب أفكار ابن خلدون بعدًا جديدًا؛ فهي لم تعد مجرد تراث فكري، بل أصبحت شرطًا لبقاء التعليم قادرًا على أداء رسالته في عصر الذكاء الاصطناعي.
ربما لا نحتاج اليوم إلى إعادة قراءة ابن خلدون بوصفه مؤرخًا، بل بوصفه مفكرًا تربويًا سبق زمنه. وربما لا تكون المشكلة في أن أفكاره قديمة، بل في أننا لم نمنحها الفرصة لتصبح جزءًا من سياساتنا التعليمية.
إن إصلاح التعليم لا يبدأ بتغيير كتاب، ولا بإضافة منصة إلكترونية، ولا حتى بإدخال الذكاء الاصطناعي إلى الصفوف الدراسية. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما نعيد تعريف السؤال الأساسي: هل نريد طالبًا يجيد الإجابة عن أسئلة الامتحان، أم إنسانًا يستطيع أن يطرح أسئلة جديدة؟
عندها فقط، سنكتشف أن ابن خلدون لم يكن يتحدث عن تعليم القرن الرابع عشر، بل كان يكتب رسالة مفتوحة إلى مدارس وجامعات القرن الحادي والعشرين... رسالة لم نقرأها جيدًا حتى الآن.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم