د.محمد عصفور يكتب: العفو العام بين البعد الإنساني والضرورة الوطنية .. معالجة جذرية لأزمة اكتظاظ السجون

منذ 1 شهر
المشاهدات : 40789
د.محمد عصفور يكتب: العفو العام بين البعد الإنساني والضرورة الوطنية  ..  معالجة جذرية لأزمة اكتظاظ السجون

سرايا - تضع المستويات الاستثنائية لاكتظاظ مراكز الإصلاح والتأهيل المنظومة العقابية والإنسانية في الأردن أمام اختبار حقيقي؛ إذ لم تعد الأرقام مجرد بيانات إحصائية، بل أضحت واقعاً ضاغطاً يمس جودة الخدمات الصحية والرعاية النفسية وبرامج التأهيل المقررة قانوناً. سيما وان التعامل مع أزمة السجون عبر مسكنات مؤقتة لم يعد مجدياً.


وبينما تسعى الجهات المعنية لإيجاد حلول جذرية، يبرز "العفو العام المُصاغ بعناية" كضرورة وطنية لتفريغ الضغط عن المؤسسات العقابية، بالتوازي مع تفعيل أدوات الإصلاح التشريعي، بما يحمي السلم المجتمعي ولا يمس بحقوق المتضررين, خاصة وان البعد الانساني والاجتماعي لاكتظاظ السجون لا تتوقف آثاره عند أسوار مراكز الإصلاح والتاهيل ، بل تتعداها لتشكل عبئاً اجتماعياً واقتصادياً على المجتمع, سيما وان العقوبة باتت جماعية بطريقة غير المباشرة فقد أدى فقدان المعيل غالبا إلى تشتت مئات الأسر وتحملها أعباء مالية ونفسية مضاعفة، مما يحوّلها عملياً من نطاقها الشخصي إلى إجحاف بحق أسر لا ذنب لها, وهذا ما تؤكده توصيات التقارير الوطنية الصادرة عن المركز الوطني لحقوق الإنسان والمرفوعة إلى مقام جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم لتلقي الضوء على خطورة وأثر الاكتظاظ المباشر على حقوق النزلاء، وتوصي بتوسيع أطر العفو العام وتفعيل التدابير اللاتحفظية.



ولخطورة نسبة اعداد قضايا المخدرات الى عدد النزلاء فلا بد من القاء الضوء عليها ولا بد من معالجة ذلك الخلل من حيث (التفرقة بين الضحية والمتاجر) اذ تُشير البيانات الرسمية لإدارة مراكز الإصلاح والتأهيل إلى أن نسبة كبيرة من النزلاء موقوفون أو محكومون في قضايا متعلقة بالمخدرات.



ولضمان عدم استغلال العفو العام من قبل الجريمة المنظمة، ولتحقيق الغاية الإصلاحية تجاه الضحايا والمستدرجين لأول مرة، نوصي بإدراج المادة التالية ضمن مشروع قانون العفو العام المرتقب: "تُستثنى من أحكام هذا القانون الجرائم المنصوص عليها في قانون المخدرات والمؤثرات العقلية المعمول به، باستثناء أفعال التعاطي أو الحيازة بقصد التعاطي، وأفعال الترويج المجردة التي يثبت فيها إقدام الجاني على الفعل لأول مرة نتيجة الإدمان أو الاستدراج، شريطة ألا تكون مقترنة بالاتجار المنظم، أو الاستيراد، أو التهريب، أو التكرار الجرمي، وشريطة الخضوع لبرنامج التأهيل الطبي والسلوكي المعتمد لدى وزارة الصحة أو مديرية الأمن العام." ونؤكد في هذا السياق ضرورة تفعيل البدائل العقابية للحد من إعادة الاكتظاظ سيما وان العفو العام يُفرغ السجون لحظياً، لكن منع امتلاءها مجدداً يتطلب تفعيل أحكام العقوبات البديلة المنصوص عليها في المادتين (25 مكرر) و(54 مكرر) من قانون العقوبات الأردني:


الخدمة المجتمعية: قيام المحكوم عليه بعمل غير مدفوع الأجر للنفع العام (من 40 إلى 200 ساعة).
2. المراقبة الإلكترونية: استخدام السوار الإلكتروني لإلزام المحكوم عليه بنطاق جغرافي محدد (من شهر إلى سنة).
3. حظر التواجد في أماكن محددة: منع المحكوم عليه من ارتياد مواقع مرتبطة بالسلوك الجرمي.
4. برامج التأهيل السلوكي: إلحاق الجاني ببرامج معتمدة لتعديل السلوك وتأهيله مجتمعياً.

وذلك يتطلب التنفيذ الميداني: الاتي : تفعيل مديرية العقوبات البديلة في وزارة العدل بالتنسيق مع المؤسسات الشريكة, والتوسع في تقارير دراسة الحالة الاجتماعية المرفوعة للقضاة قبل النطق بالحكم واخيرا ربط أنظمة التتبع الإلكتروني بقواعد بيانات موحدة لضمان الالتزام.

وذلك لا يتعارض مع الدستورالاردني وحماية السلم المجتمعي فهو يقوم على أطر دستورية وقانونية واضحة توازن بين الرحمة وسيادة القانون جيث نصت المادة (38) من الدستور الأردني: تنص على أن "العفو العام يصدر بقانون" بمسار تشريعي واقتران بالإرادة الملكية السامية , والمادة (51) من قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960تنص على انه : تُسقط دعوى الحق العام والعقوبة، مع التأكيد على عدم المساس بالحقوق الشخصية للضحايا (حق الشخص الثالث).وان ذلك يضع خطوط حمراء للسلم المجتمعي مثل حظر شمول كبار تجار ومهرّبي المخدرات، وقضايا الإرهاب، والجرائم الواقعة على أمن الدولة، والفساد المالي، واشتراط إسقاط الحق الشخصي التام في قضايا الاعتداء المباشر والقتل.وختاما فان التعاطي مع قضية اكتظاظ السجون يتطلب الانتقال من سياسة الحلول المؤقتة إلى نهج ممتد الأثر، يجمع بين قانون عفو عام متوازن ينقذ الضحايا ويخفف عن الكاهل الاجتماعي، وبين تفعيل بدائل العقوبات لحماية مستقبل المنظومة الإصلاحية الوطنية.

والله ولي التوفيق

 

 

 

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم