م. وصفي عبيدات يكتب: كيف نطالب المقاول أن يبني الوطن وهو مكبل بالسلاسل؟

منذ 12 ساعة
المشاهدات : 16308
م. وصفي عبيدات يكتب: كيف نطالب المقاول أن يبني الوطن وهو مكبل بالسلاسل؟
المهندس وصفي عبيدات

المهندس وصفي عبيدات


قبل أيام وخلال لقائنا بمعالي وزير الاستثمار الدكتور طارق أبو غزالة بحضور نخبة من رجال الأعمال في جمعية الرخاء ، دار حديث حول واقع قطاع المقاولات وأشار معاليه إلى تراجع دور هذا القطاع في دفع عجلة التنمية والاستثمار

استمعت إلى الحديث ثم وجدت نفسي أطرح سؤالا ربما يختصر واقع المقاول الأردني كله:

كيف نطالب المقاول أن يبني الوطن وهو مكبل بالسلاسل؟
إن المقاول لا يهرب من المسؤولية ولا يرفض العمل ، فهو أول من يفرح عندما يرى مدرسة تُبنى أو مستشفى يُنجز أو طريقا يُعبد أو مصنعا يبدأ بالإنتاج لكنه يقف كل صباح أمام قيود تتزايد عاما بعد عام حتى أصبح يقضي جزءا كبيرا من وقته في مقاومة الأنظمة والإجراءات أكثر مما يقضيه في تنفيذ المشاريع

إن قطاع المقاولات هو شريان اقتصادي يغذي عشرات القطاعات الأخرى فكل مشروع إنشائي يحرك مصانع الإسمنت والحديد والألمنيوم والأخشاب ويشغل المهندسين والفنيين والعمال وينعش قطاع النقل والمكاتب الهندسية والموردين ، فإذا تعثر المقاول تعثرت معه عجلة الاقتصاد بأكملها

وأولى هذه السلاسل هي المنظومة التشريعية التي تحكم عمله
فبين أنظمة نقابة المقاولين وقانون الضمان الاجتماعي وقانون ضريبة الدخل وقانون العمل يجد المقاول نفسه محاصرا بالتزامات متراكمة في الوقت الذي تتراجع فيه المشاريع وتشتد المنافسة بصورة غير مسبوقة

فالضمان الاجتماعي يفرض على صاحب العمل مساهمة تبلغ (14.5%) عن كل عامل وموظف وهي نسبة تصبح عبئا ثقيلا في ظل الركود وقلة السيولة ، خاصة عندما يضطر المقاول للاحتفاظ بالعمالة انتظارا لمشاريع أو لمستحقات متأخرة

أما ضريبة الدخل فالمشكلة ليست في مبدأ الضريبة وإنما في طريقة احتساب الأرباح إذ يُفترض في كثير من الأحيان أن أرباح المقاول تصل إلى نحو (25%)، بينما الواقع يقول إن كثيرا من المشاريع اليوم تنفذ بهوامش ربح محدودة جدا يضطر بعض المقاولين القبول بها حفاظا على استمرارية شركاتهم وعمالتهم ، فكيف يُحاسب المقاول على أرباح لم يحققها أصلا؟

ثم يأتي قانون العمل الذي يحتاج إلى مراجعة تحقق التوازن بين حقوق العامل وحقوق صاحب العمل فحماية العامل واجب لا خلاف عليه لكن تحميل المقاول كامل الأعباء في جميع الظروف الاقتصادية يجعله عاجزا عن إعادة هيكلة أعماله أو تخفيف نفقاته عند الضرورة فيتحول القانون من وسيلة لتحقيق العدالة إلى عبء يهدد استدامة المنشأة نفسها

ثم تأتي حلقة الموردين التي كانت فيما مضى شريكا حقيقيا في إنجاح المشاريع فإذا بكثير منهم اليوم يشترط الدفع النقدي المسبق قبل التوريد والمقاول بطبيعة عمله لا يقبض قيمة المشروع مقدما وإنما ينفذه ثم ينتظر مستحقاته فكيف يستطيع أن يدير مشاريعه إذا أصبح مطالبا بالدفع نقدا في كل مرحلة؟
وهناك أيضا شروط التأهيل المسبق التي تحرم عددا كبيرا من شركات المقاولات من المنافسة على المشاريع ، والسؤال البديهي هو : كيف سيكتسب المقاول الخبرة المطلوبة إذا لم يُتح له أصلا تنفيذ المشاريع التي تمنحه هذه الخبرة؟ إن فتح باب المنافسة العادلة هو الطريق الحقيقي لصناعة مقاولين أقوياء لا الاكتفاء بتدوير الفرص بين عدد محدود من الشركات

أما المكاتب الاستشارية فهي مطالبة بأن تكون نموذجا للحياد وتكافؤ الفرص ، إلا أن الواقع في بعض الحالات يشير إلى أن طلبات الأسعار أو الدعوات للمنافسة تذهب إلى مقاولين بعينهم بينما يبقى عدد كبير من المقاولين خارج دائرة المنافسة وعندما تضيق المنافسة العادلة تضيق معها فرص النمو أمام القطاع بأكمله

ولا يمكن إغفال البيروقراطية الحكومية بما فيها من بطء في الإجراءات وتأخير في الموافقات وتأخر في صرف المستحقات ، وهي أمور تستنزف وقت المقاول وموارده، وتنعكس مباشرة على كلفة المشروع وقدرته على الاستمرار

هذه ليست شكوى من مقاول وليست محاولة للتنصل من المسؤولية وإنما دعوة صادقة لإعادة النظر في البيئة التي يعمل فيها هذا القطاع لأن من غير المنطقي أن نطالبه بقيادة التنمية بينما نثقل كاهله بقيود تتزايد عاما بعد عام
ولهذا أعود إلى السؤال الذي بدأت به هذا المقال:
كيف نطالب المقاول بأن يبني الوطن وهو مكبل بالسلاسل؟

إن إنقاذ قطاع المقاولات هو استثمار في الاقتصاد الوطني كله فالمقاول هو من يبني المدرسة والمستشفى والجامعة والطريق والمصنع وإذا تعثر تعثرت معه عشرات القطاعات وآلاف فرص العمل
لذلك فإن المرحلة تستدعي مراجعة وطنية شاملة للتشريعات والإجراءات الناظمة لهذا القطاع بمشاركة الحكومة ونقابة المقاولين والقطاع الخاص للوصول إلى بيئة عمل تحقق التوازن بين حقوق الدولة وحقوق العامل وحقوق المقاول دون أن يطغى حق على آخر

نحن لا نطالب بامتيازات ولا بإعفاءات وإنما نطالب ببيئة عمل عادلة يستطيع فيها المقاول أن يعمل وينتج وينافس لا أن يقضي معظم وقته وهو يقاتل الأنظمة والإجراءات ،
فالاستثمار يقوم على قطاع مقاولات قوي قادر على التنفيذ فمن يريد للمقاول أن يحمل حجارة البناء عليه أولا أن يفك عنه السلاسل

ان تشجيع الاستثمار المحلي يعتبر استقطابا غير مباشر للاستثمار الخارجي فكلما كان المستثمر المحلي ينعم بكثير من التسهيلات والامتيازات يكون ذلك مشجعا للمستثمر الخارجي بالاستثمار في وطن نحبه
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم