أ.د. هيثم علي حجازي يكتب: الأردنيون لا يتركون وظائفهم بحثاً عن المال فقط: أزمة بيئة العمل التي تتجاهلها المؤسسات

منذ 1 يوم
المشاهدات : 101513
أ.د. هيثم علي حجازي يكتب: الأردنيون لا يتركون وظائفهم بحثاً عن المال فقط: أزمة بيئة العمل التي تتجاهلها المؤسسات
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

تكشف الورقة الصادرة عن منتدى الاستراتيجيات الأردني بعنوان «لماذا يترك الأردنيون وظائفهم؟» عن تحول لافت في سوق العمل الأردني؛ فالتحدي لم يعد مقتصراً على توفير فرصة عمل للباحث عنها، بل امتد إلى قدرة المؤسسات على توفير وظيفة لائقة يمكن للعامل أن يستمر فيها. وهذا التحول يستحق أن يُقرأ بوصفه مؤشراً اقتصادياً وإدارياً واجتماعياً، لا مجرد مجموعة من الاستقالات الفردية التي يمكن تفسيرها بضعف الولاء أو تقلب مزاج العاملين.
تشير البيانات التي استند إليها التقرير، والمأخوذة من مسح فرص العمل الصادر عن دائرة الإحصاءات العامة، إلى أن عدد العاملين الذين تركوا وظائفهم ارتفع من 42,680 عاملاً عام 2008 إلى 94,464 عاملاً عام 2024. وبذلك يكون العدد قد ازداد بأكثر من الضعف خلال ستة عشر عاماً. ومع أن هذا الارتفاع قد يتأثر بعوامل مثل نمو السكان والقوة العاملة وعدد المشتغلين والمنشآت، فإنه يظل مؤشراً يستحق التوقف عنده، ولا سيما عندما يقترن بتغير واضح في أسباب ترك العمل. فالبيانات لا تقول إن الأردنيين يتركون وظائفهم لأنهم وجدوا عروضاً أفضل أو لأنهم يسعون إلى التدرج المهني فحسب، بل تشير إلى أن ظروف العمل وطبيعته أصبحت السبب الأكثر حضوراً في قرار المغادرة. وقد ارتفعت نسبة من تركوا وظائفهم لهذا السبب من نحو 35% عام 2008 إلى 62.2% عام 2024، ثم إلى 70% في النصف الأول من عام 2025. وفي المقابل، تراجعت نسبة المغادرين لأسباب اقتصادية من 21.8% عام 2008 إلى 9.2% عام 2024، ثم إلى 6.9% خلال النصف الأول من عام 2025. وهذه الأرقام تقود إلى استنتاج بالغ الأهمية: الوظيفة قد تكون متاحة، لكنها ليست بالضرورة قابلة للاستمرار. فالعمل الذي يفتقر إلى العدالة والاحترام والأمان وفرص التطور قد يعالج البطالة مؤقتاً، لكنه لا يحقق الاستقرار الوظيفي ولا يبني قوة عمل منتجة ومستدامة.
اعتادت بعض الإدارات النظر إلى الاستقالة باعتبارها دليلاً على ضعف انتماء الموظف أو عدم تحمله ضغوط العمل. وعندما يغادر الموظف، يكون السؤال التقليدي: لماذا لم يتكيف؟ بينما ينبغي أن يكون السؤال الإداري الأكثر نضجاً: ما الذي جعل بيئة العمل طاردة؟ إن الموظف لا يترك المؤسسة عادة بسبب حادثة واحدة، بل نتيجة تراكمات يومية قد تشمل ساعات العمل الطويلة، وضعف الأجر مقارنة بحجم المسؤوليات، وسوء المعاملة، وغياب العدالة، والمزاجية في القرارات، وانسداد فرص الترقية، وعدم وضوح المسار المهني، وضعف السلامة المهنية، وغياب التوازن بين الحياة والعمل. وقد يتحمل الموظف بعض هذه الظروف مدة معينة، لكنه يصل في النهاية إلى نقطة تصبح فيها المغادرة أقل كلفة نفسية من البقاء. ومن هنا، فإن ارتفاع نسبة الاستقالات لا يمثل دائماً مشكلة في العاملين، بل قد يكون حكماً جماعياً صامتاً على نوعية الإدارة. فالاستقالة في كثير من الحالات هي آخر رسالة يبعث بها الموظف بعد أن فشلت المؤسسة في سماع رسائله السابقة.
يوضح التقرير أن 83.8% ممن تركوا وظائفهم بسبب ظروف العمل وطبيعته كانوا يعملون في القطاع الخاص، مقابل 11.4% في القطاع العام و4.6% في الهيئات الدولية. كما تركزت الحالات في تجارة الجملة والتجزئة بنسبة 22%، والصناعات التحويلية بنسبة 19%، وأنشطة الإقامة والخدمات الغذائية بنسبة 15%، ثم الإنشاءات بنسبة 8%. لكن قراءة هذه النسب تحتاج إلى بعض الحذر؛ فهي تمثل توزيع من تركوا العمل على القطاعات، ولا تعني بالضرورة أن 83.8% من جميع العاملين في القطاع الخاص غادروا وظائفهم. كما أن ارتفاع حصة القطاع الخاص قد يرتبط بحجمه وعدد العاملين فيه وطبيعة الحركة الوظيفية داخله. لذلك لا يكفي أن نعرف عدد المغادرين من كل قطاع، بل يجب أن نعرف معدل الدوران الوظيفي قياساً إلى إجمالي العاملين، وحجم المنشأة، ونوع العقد، ومستوى الأجر، والعمر، والمؤهل، والمحافظة، ومدة الخدمة.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الرسالة العامة للأرقام. فالقطاعات الأكثر حضوراً في حالات المغادرة هي قطاعات تعتمد بصورة كبيرة على العمالة المباشرة، وتشهد في كثير من الأحيان ساعات عمل ممتدة، وضغوطاً تشغيلية، وأجوراً محدودة، وفرصاً ضعيفة للتقدم المهني. وإذا كانت منشآت هذه القطاعات غير قادرة على الاحتفاظ بالعامل الأردني، فإن الدعوة إلى زيادة إقبال الأردنيين عليها لن تكون كافية ما لم تتغير شروط العمل نفسها؛ إذ لا يجوز أن نطالب الشباب بتغيير ثقافتهم تجاه العمل، ثم نرفض تغيير ثقافة الإدارة تجاه العامل.
من الأخطاء الشائعة اختزال جودة الوظيفة في الأجر. صحيح أن الراتب عنصر أساسي، ولا يمكن مطالبة الموظف بالرضا عن أجر لا يغطي احتياجاته، لكن جودة الوظيفة تتجاوز ذلك إلى طريقة الإشراف، وعدالة توزيع الأعباء، واحترام الكرامة، ووضوح القرارات، والاستقرار، والسلامة، والمشاركة، والتقدير، وإمكانات التعلم والتطور. وقد يكون المدير المباشر العامل الأكثر تأثيراً في قرار البقاء أو المغادرة. فالموظف قد يتقبل ضغط العمل، لكنه يصعب أن يتقبل الإهانة. وقد يصبر على محدودية الراتب، لكنه لا يصبر طويلاً على المحاباة والتمييز. وقد يؤدي واجبات صعبة، لكنه يفقد دافعيته عندما يكتشف أن الاجتهاد لا يقود إلى التقدير، وأن الترقية لا ترتبط بالكفاءة، وأن القرارات تُتخذ وفق العلاقات الشخصية لا وفق معايير معلنة. لذلك، فإن معالجة الدوران الوظيفي لا تبدأ من زيادة حملات التوظيف، بل من مراجعة الممارسات الإدارية داخل المؤسسة. فتعيين موظف جديد في البيئة نفسها التي دفعت الموظف السابق إلى الاستقالة لا يحل المشكلة؛ بل إنه يعيد إنتاجها بتكلفة إضافية.
لا تنتهي كلفة استقالة الموظف عند دفع مستحقاته وإعلان شاغر جديد، بل تشمل الإعلان والاستقطاب والاختيار والتعيين والتدريب، وانخفاض الإنتاجية خلال فترة الانتقال، وزيادة العبء على بقية العاملين،واحتمال تراجع جودة الخدمة، وفقدان المعرفة والخبرة والعلاقات التي راكمها الموظف المغادر. كما أن ارتفاع دوران العاملين يضعف الذاكرة المؤسسية ويجعل المؤسسة في حالة تدريب مستمر دون أن تجني العائد الكامل منه. والأخطر أن تتكون عنها سمعة سلبية في سوق العمل، فتفقد قدرتها على استقطاب الكفاءات، أو تضطر إلى دفع كلفة أعلى لإقناعها بالبقاء. ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى تحسين بيئة العمل باعتباره امتيازاً اجتماعياً يمنحه صاحب العمل، بل استثماراً اقتصادياً مباشراً في الإنتاجية والاستقرار والتنافسية.
تكتفي الإحصاءات المتاحة بوضع أسباب كثيرة تحت عنوان عام هو «ظروف العمل وطبيعته». وهذا التصنيف، على أهميته، واسع إلى درجة تحدّ من قدرة صانع القرار على تصميم تدخلات دقيقة. فهل يغادر العامل بسبب انخفاض الأجر، أم طول ساعات العمل، أم سوء الإدارة، أم غياب الأمان الوظيفي، أم التحرش والتنمر، أم ضعف السلامة المهنية، أم عدم التوافق بين الوظيفة والمؤهل، أم غياب فرص التطور؟ كما ينبغي التمييز بين من يترك وظيفة لينتقل إلى أخرى أفضل، ومن يغادر سوق العمل نهائياً، ومن يستقيل من دون أن يمتلك بديلاً بسبب وصوله إلى درجة لا يستطيع معها الاستمرار. فلكل حالة دلالة مختلفة وسياسة علاجية مختلفة. وثمة ملاحظة زمنية مهمة أيضاً؛ فمقارنة رقم سنوي كامل لعام 2024 بنسبة تخص النصف الأول من عام 2025 تستدعي الانتظار حتى اكتمال بيانات السنة قبل إصدار حكم نهائي على اتجاهها. ومع ذلك، فإن وصول النسبة إلى 70% خلال نصف عام يظل إنذاراً مبكراً لا يصح تجاهله.
المطلوب اليوم هو تطوير مؤشر وطني لجودة الوظائف، إلى جانب مؤشرات البطالة والتشغيل التقليدية. وينبغي أن يقيس هذا المؤشر الأجر العادل، وساعات العمل، والاستقرار التعاقدي، والسلامة المهنية، والضمان الاجتماعي، وفرص التدريب والترقية، والعدالة التنظيمية، وجودة القيادة، والتوازن بين الحياة والعمل، والصحة النفسية، ودرجة رضا العاملين. كما تبدو الحاجة ملحة إلى إجراء مسح وطني دوري ومفصل لبيئة العمل، يشمل القطاعات العامة والخاصة، والمنشآت الكبيرة والصغيرة، والمحافظات المختلفة، ويتيح تحليل النتائج وفق الجنس والعمر والمؤهل والمهنة والدخل ونوع العقد ومدة الخدمة.
وعلى مستوى المؤسسات، ينبغي اعتماد مقابلات مغادرة مهنية وسرية، وإجراء استطلاعات دورية لرضا العاملين، وتحليل معدلات الدوران بحسب الإدارات والمديرين، وإنشاء قنوات آمنة لتقديم الشكاوى، وربط تقييم القيادات بقدرتها على الاحتفاظ بالكفاءات وبناء بيئة عادلة، لا بحجم الإنجاز التشغيلي وحده.
أما الحكومة، فعليها أن تجعل جودة الوظائف جزءاً أصيلاً من سياسات التشغيل والحوافز والاستثمار. فالمنشأة التي تخلق فرص عمل ثم تستنزف العاملين بوتيرة مرتفعة لا تحقق الهدف التنموي كاملاً، حتى لو بدا عدد الوظائف التي أعلنت عنها كبيراً.
تكمن القيمة الحقيقية لتقرير «لماذا يترك الأردنيون وظائفهم؟» في أنه ينقل النقاش من سؤال كمي هو: كم وظيفة وفرنا؟ إلى سؤال نوعي أكثر عمقاً: أي نوع من الوظائف وفرنا، وكم يستطيع العامل أن يبقى فيها بكرامة وأمان؟ ولا يكفي أن يدخل المواطن سوق العمل؛ فالمهم ألا تدفعه بيئة العمل إلى الخروج منه. ولا يكفي أن تتفاخر المؤسسة بعدد من وظفتهم، إذا كانت تتجنب الحديث عن عدد من غادروها وأسباب مغادرتهم.
إن سوق العمل الأردني لا يحتاج إلى فرص جديدة فحسب، بل إلى عقد جديد بين العامل والمؤسسة؛ عقد يقوم على الأجر العادل، والاحترام، والعدالة، والقيادة المسؤولة، وفرص النمو، والحماية من التعسف. فخلق الوظيفة إنجاز مهم، لكن خلق وظيفة تستحق البقاء فيها هو الإنجاز الحقيقي.
*رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق
أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم