فيصل تايه يكتب: "زيادة المتقاعدين" وإشكالية الجمع بين العدالة والاستهداف

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 10869
 فيصل تايه يكتب: "زيادة المتقاعدين" وإشكالية الجمع بين العدالة والاستهداف
فيصل تايه

فيصل تايه

​في إطار السياسات الاجتماعية الهادفة لتعزيز حماية الفئات الأقل دخلاً، يوجه قرار دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان بمنح زيادة مالية للمتقاعدين المدنيين والعسكريين الذين تقل دخولهم عن ٦٠٠ دينار، بوصفه خطوة مقدرة تُسهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية عن شريحة واسعة. هذا التوجه يعكس خياراً واضحاً في السياسة العامة يقوم على إعادة توجيه الموارد نحو الأكثر حاجة، وهو مبرر تماماً في ظل القيود المالية ، غير أن تقييم السياسات العامة لا يُحسم عند نبل الهدف، بل عند "هندسة التنفيذ"، حيث تتحدد العدالة أو يُعاد إنتاج اختلالاتها دون قصد.

​تكمن الإشكالية هنا في اعتماد "رقم صلب" كحد فاصل ومباشر للاستحقاق؛ فبدل أن يكون الدخل طيفاً متدرجاً تُبنى عليه مستويات دعم متفاوتة، يتحول بفعل هذا التحديد الجامد إلى خط انقسام حاد. هذه الصيغة تنتج ما يُعرف في أدبيات السياسات العامة بـ "أثر الحد الفاصل"، حيث تؤدي الفروق البسيطة عند الهوامش إلى نتائج حاسمة في الاستحقاق؛ فمن يقع دون الـ ٦٠٠ دينار يحصل على الزيادة كاملة، ومن يتجاوزها بفارق دينار واحد يُستبعد منها، رغم تقاربهما الشديد في القدرة المعيشية والظروف الحياتية.

​إن هذا النهج التقليدي، وإن كان يوفر مزايا واضحة للحكومة من حيث سهولة التطبيق الفني وضبط كلفة الدعم ضمن سقوف مالية محددة، إلا أنه يفتقد لـ "العدالة التدرجية". ومن هنا، فإن النقاش المسؤول لا يتمحور حول مبدأ الدعم، بل حول بنيته الفنية، وبحث إمكانية الانتقال من منطق "الفصل الحاد" إلى منطق "الجسور الانتقالية".

​وتشير التجارب المقارنة في سياسات الحماية الاجتماعية إلى أن النماذج الأكثر نجاحاً وتوازناً هي التي تقلل من صدمة الانتقال المفاجئ عند الحدود الرقمية، عبر إدخال مفهوم "الاستحقاق التناقضي المتدرج"؛ بحيث تتناقص قيمة الزيادة بشكل سلس كلما ارتفع الدخل التقاعدي واقترب من السقف الأعلى المستهدف. هذا البديل يضمن عدم نشوء حالات مشوهة تصبح فيها الدخول الأدنى أعلى من نظيراتها بعد الزيادة، ويحافظ في الوقت نفسه على السقوف المالية للموازنة العامة من خلال إعادة توزيع المنفعة بذكاء هندسي يراعي العدالة النسبية.

​إن التعامل مع المتقاعدين بوصفهم شريحة وطنية قدمت عقوداً من العطاء في خدمة الدولة، يفرض حساسية أعلى في تصميم أدوات الدعم، بحيث لا تتحول الفروق الطفيفة في الدخل إلى فجوات واسعة في التقدير والاستحقاق، خاصة في مستويات اقتصادية متقاربة بطبيعتها وتتأثر بذات الموجات التضخمية.

​في النتيجة، يمثل هذا القرار خطوة شجاعة لتوجيه الدعم مستحقيه، وفرصة سانحة للتطوير التصميمي وبناء المقاربات المرنة التي تتجاوز الآثار غير المقصودة للحد الفاصل. ويبقى معيار نجاح أي سياسة اجتماعية ليس فقط في قدرتها الفنية على تحديد المستهدفين، بل في كفاءتها الابتكارية بألا تجعل من رقم واحد حاجزاً بين أوضاع إنسانية متشابهة، بل جسراً انتقالياً يعكس روح العدالة؛ فالعدالة الحقيقية في السياسات المعاصرة لا تُقاس بصرامة الحدود وهيبتها، بل بقدرتها على الاستيعاب والتدرج وألا تتحول إلى نقاط انقسام في نسيج الواقع الاجتماعي.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم