عبدالله الطراونة
الخطاب الرسمي ليس منبراً للوعظ ولا ساحةً للتشهير. هو التزامٌ مؤسسي يعبّر عن هيبة الدولة واحترامها لمواطنيها. وعندما تتخلى مؤسسة رسمية عن هذا الأصل وتلجأ إلى لغة التوبيخ، فهي لا تسيء للمواطن وحده، بل تهزّ صورة الدولة نفسها.
ما صدر عن وزارة البيئة من عبارات انفعالية من نوع "استحوا" هو خروجٌ صريح عن أبسط قواعد العمل الاتصالي المهني. التوبيخ العلني للمواطن لا يعالج سلوكاً خاطئاً، بل يخلق فجوةً بين الدولة والناس، ويحوّل رسالة التوعية إلى مادة للسخرية والرفض.
الأمر مستغربٌ أكثر لأن الخطاب الأردني الرسمي عُرف على الدوام برصانته واتزانه. مؤسسات الدولة لطالما خاطبت المواطن بلغة تقدّر وعيه وتشركه في المسؤولية، لأنها تدرك أن السلطة الحقيقية تُبنى بالثقة، والثقة لا تُنتزع بكلمة استعلاء.
والأردن لا ينقصه الخبرة. لدينا كفاءات إعلامية واتصالية أثبتت قدرتها على إدارة أصعب الملفات بأسلوب مهني يحفظ هيبة المؤسسة ويحقق الهدف. فالمشكلة ليست في غياب الكفاءة، بل في غياب الرقابة على الرسالة قبل خروجها للعلن.
المواطن الأردني لم يكن يوماً متلقياً سلبياً يُخاطَب بلغة الوصاية. هو شريكٌ في البناء، وصاحب مصلحة مباشرة في حماية بيئته ووطنه. ومن يخاطبه بلغة التوبيخ يخسره، ومن يخاطبه بلغة الاحترام يكسبه.
إن السكوت على هذه السقطة هو تكريسٌ لنمطٍ مرفوض من الخطاب الحكومي. المطلوب اليوم اعتذارٌ واضح، ومراجعةٌ جذرية لآلية إصدار الرسائل الرسمية، تضمن ألا تتكرر هذه الإساءة تحت أي ذريعة.
هيبة الدولة لا تُصان بالشعارات، بل بالكلمة التي تليق بها.
الرجاء الانتظار ...
التعليقات