الخطيب يكتب: القيادة الميدانية .. حيث يُصنع القرار

منذ 47 دقيقة
المشاهدات : 13807
  الخطيب يكتب: القيادة الميدانية ..  حيث يُصنع القرار
العقيد المتقاعد محمد جميل الخطيب

العقيد المتقاعد محمد جميل الخطيب

قد تمتلك المؤسسات أفضل الخطط، وأحدث التقنيات، وأكثر الكوادر تأهيلاً، لكن نجاحها الحقيقي يبقى مرهوناً بالقيادة القادرة على تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة. فالقيادة ليست منصباً إدارياً، وإنما مسؤولية تبدأ من الميدان، حيث تُختبر القرارات، وتُقاس الجاهزية، ويظهر أثر التخطيط على أرض الواقع.
وفي المؤسسات الأمنية على وجه الخصوص، لا تُصنع القيادة خلف المكاتب، بل في مواقع العمل، وبين رجال الأمن، وفي ميادين التدريب، وأثناء إدارة الأزمات. فالقائد الذي يلامس الواقع، ويستمع إلى مرؤوسيه، ويراقب الأداء بنفسه، يكون أكثر قدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.
لقد أثبتت التجارب أن المؤسسة التي تنجح في إدارة الأزمات ليست بالضرورة الأكثر إمكانات، وإنما الأكثر قدرة على القيادة والتنسيق وسرعة اتخاذ القرار. فالدقائق الأولى في أي حادث قد تكون الفاصل بين الاحتواء والتصعيد، وبين تقليل الخسائر أو اتساعها، وهو ما يجعل القيادة الميدانية عنصراً حاسماً في نجاح أي منظومة أمنية.
ولا تقتصر القيادة الميدانية على إصدار الأوامر، بل تشمل بناء فرق العمل، وتوزيع المسؤوليات، وتعزيز روح المبادرة، وغرس ثقافة الانضباط والاحتراف، وتهيئة البيئة التي تمكّن كل فرد من أداء دوره بكفاءة وثقة. فالقائد الحقيقي هو الذي يصنع قادة، ويمنحهم القدرة على اتخاذ القرار، ويهيئهم لتحمل المسؤولية.
وفي المؤسسات الحديثة، أصبحت القيادة ترتبط أيضاً بالقدرة على التعلم والتطوير المستمر. فالتحديات الأمنية تتغير باستمرار، والوسائل التي نجحت بالأمس قد لا تكون كافية غداً، ولذلك فإن القائد الناجح هو الذي يراجع الأداء، ويستخلص الدروس، ويشجع الابتكار، ويحول كل تجربة إلى فرصة للتطوير.
كما أن القيادة الميدانية الفاعلة هي الأقرب إلى نبض المجتمع، لأنها تدرك أن الأمن لا يُبنى فقط بالإجراءات، بل بالثقة. ولذلك تحرص على التواصل مع المواطنين، والاستماع إلى ملاحظاتهم، والتعامل مع مختلف المواقف بروح من العدالة والاحترام، لأن احترام الإنسان يعزز احترام القانون.
وفي ظل التحولات الرقمية، لم يعد القائد يعتمد على الخبرة وحدها، بل أصبح يوظف البيانات والتقنيات الحديثة لدعم قراراته، دون أن يفقد عنصر الحسم أو الرؤية الإنسانية. فالتكنولوجيا توفر المعلومات، لكنها لا تعوض بصيرة القائد، ولا تحل محل مسؤوليته في تقدير الموقف واختيار القرار الأنسب.
ولعل أهم ما يميز القيادة المؤسسية الناجحة أنها لا ترتبط بشخص، بل بثقافة عمل. فعندما تصبح قيم الانضباط، والاحتراف، والمساءلة، والعمل بروح الفريق جزءاً من هوية المؤسسة، فإن مسيرة التطوير تستمر، وتصبح الإنجازات قابلة للتراكم جيلاً بعد جيل.
وفي مديرية الأمن العام، يبدو واضحاً أن مسيرة التطوير لا تقوم على إنجازات مرحلية، بل على بناء مؤسسة تتعلم باستمرار، وتراجع أداءها، وتستعد للمستقبل، وتؤمن بأن الحفاظ على أمن الوطن واستقراره يتطلب تطويراً لا يتوقف، وقيادة لا تكتفي بما تحقق، بل تنظر دائماً إلى ما ينبغي أن يتحقق.
لقد حاولت في هذه السلسلة أن أقرأ تجربة مديرية الأمن العام من زاوية مختلفة؛ لا من خلال الأحداث اليومية، ولا من خلال الأرقام والإحصاءات، بل من خلال الفلسفة التي تحكم مسيرة التطوير، والرؤية التي تجعل الأمن شريكاً في التنمية، والاحتراف أساساً للأداء، والإنسان محوراً لكل جهد.
إن المؤسسات الكبرى لا تُقاس بما أنجزته فقط، بل بقدرتها على مواصلة الإنجاز. وعندما تتوافر الرؤية الواضحة، والقيادة الواعية، والمؤسسية الراسخة، يصبح التطوير نهجاً دائماً، ويغدو الأمن أكثر من مجرد حفظ للنظام... ليصبح صناعةً للاستقرار، وضمانةً للمستقبل، ورسالةً وطنية تتجدد مع كل جيل.
ضمن سلسلة: "الأمن الأردني... من إدارة الأمن إلى صناعة الاستقرار".
المقالة القادمة الأمن العام... مؤسسة واحدة بثلاثة أذرع
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم