م.صلاح طه عبيدات يكتب: من قال إن الرجال لا يبكون؟

منذ 5 ساعات
المشاهدات : 14667
م.صلاح طه عبيدات يكتب: من قال إن الرجال لا يبكون؟
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

إنهم يبكون… ولكن حين يبكون، تهتزُّ في صدورهم الجبال، وتتشقق في أرواحهم مواطنُ الصبر العتيق.
يبكون لا ضعفًا، بل لأن في القلب من العظمة ما يعجز عن حمله الصمت.
كنتُ أتابع حفل تخريج ضباط الجيش العربي الأردني الباسل، فأحسبُ أن دمعةً وحيدةً ستفرُّ من عيني على استحياء، فإذا بها كتائبُ من الدموع تزحف فوق وجنتيّ، كأنها جيشٌ أعلن العصيان على قلاع الرجولة الصامتة التي شيّدتها السنين.
لم تكن دموعًا عابرة، بل كانت تاريخًا كاملًا من الكبرياء، والحب، والانتماء، والانكسارات المؤجلة، يتدفّق دفعةً واحدة.
أيُّ سحرٍ هذا الذي تسكبه المراسم العسكرية في الروح؟
أيُّ نارٍ توقظها أصوات الخطى المنتظمة، وصليل التحية، وهدير الأناشيد، وهيبة البزّات التي تحمل الوطن على أكتافها؟
كنتُ أرى الخريجين وهم يهرعون إلى أمهاتهم وآبائهم، فيعانقونهم بعناقٍ يشبه انتصار الأوطان بعد طول حصار.
تلك الأم التي أحرقت عمرها قناديلَ دعاء، وذاك الأب الذي خبّأ خوفه خلف ملامح الصلابة، يقفان اليوم شامخين كأنهما نخلةٌ أردنيةٌ ضاربةٌ جذورها في المجد.
وكانت الزغاريد تشقُّ الهواء كالرصاص الطاهر، فيما تتعالى الأصوات:
“لمثل هذا اليوم ربّيتك يا ولدي…”
فأشعر أن الأرض كلَّها ترتجف تحت أقدام الكبرياء.
في تلك اللحظات، لم أكن أشاهد حفلاً عسكريًا فحسب، بل كنت أرى الأمة كما ينبغي أن تكون؛
عنفوانًا لا ينحني، وكبرياءً لا يشيخ، وراياتٍ لا تعرف السقوط.
ينهض داخلي فارسٌ عربيٌّ قديم، كأن النعمان بن المنذر عاد من غبار التاريخ، يصيح في وجوه الخنوع:
أبا هندٍ فلا تعجل علينا
وأنظرنا نخبرك اليقينا
إذا بلغ الفطامَ لنا رضيعٌ
تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا
فتنتفض في صدري ألفُ معركة، وألفُ انتصار، وألفُ حلمٍ عربيٍّ مؤجل.
وأشعر أن هذا الجيش ليس مجرد رجالٍ يحملون السلاح، بل هو آخرُ ما تبقّى لنا من معنى الكرامة حين تتكاثر الهزائم.
آه يا أردن…
كم يشبهك هؤلاء الضباط وهم يقفون في الميدان كالرمح؛
مهابين، صامتين، لكن في صمتهم عاصفة.
وآهٍ لتلك الأمهات…
كيف يخبئن قلوبهن تحت أثواب الدعاء، ثم يسلّمن أبناءهن للوطن بقلوبٍ تعرف أن الرجال لا يُصنعون إلا على مواقد التضحية.
في تلك اللحظة أدركت أن دموعي لم تكن هزيمةً لرجولتي، بل كانت انتصارها الأعظم؛
فالرجال الحقيقيون لا يخجلون من دمعةٍ سالت أمام الوطن، ولا من قلبٍ ارتجف حبًا للأرض، وللجيش، ولرايةٍ ما زالت تُعلَّم أبناءها أن المجد يُكتب بالعرق والدم والوفاء.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم