الحواتمة يكتب: ( ليس الفقير من قل ماله … بل من مات ضميره وهو حي )

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 16014
 الحواتمة يكتب: ( ليس الفقير من قل ماله … بل من مات ضميره وهو حي )
م. محمد العمران الحواتمة

م. محمد العمران الحواتمة

في آخر الصفوف وبعيداً عن الأضواء، يقف ذلك الموظف الحكومي البسيط كجندي مجهول في معركة الحياة. لا يملك نفوذاً، ولا ظهراً يحميه ولا أرصدة تفتح له الأبواب المغلقة ، لكنه يملك شيئاً أخطر من كل ذلك … ضميراً حياً.

والمشكلة أن أصحاب المصالح يخافون من صاحب الضمير أكثر مما يخافون من القوانين والمحاكم .

هذا الرجل الذي أكلت سنواته الوظيفة، وسرقت الظروف من عمره الراحة، واستنزفته متطلبات البيت والحياة، كان يستطيع أن يسلك الطريق السهل مثل غيره من الضعفاء وأن يبيع مبادئه وأن يساوم وأن يمد يده للحرام وأن يصبح نسخة أخرى من الوجوه التي امتلأت بها المكاتب حتى اختنقت منها العدالة. لكنه رفض ، اختار أن يجوع أحياناً ولا يخون، أن يتعب ولا ينحني، أن يبقى نظيفاً حتى لو اتسخت الدنيا كلها حوله.

وهنا تبدأ حربهم عليه ، لأن الشريف بينهم فضيحة تمشي على قدمين ، وجوده وحده يفضحهم ، صمته يربكهم ونزاهته تفضح قذارتهم التي حاولوا تغليفها بالمناصب والألقاب والكلمات الكبيرة ، لذلك يحاربونه بلا رحمة ، يضيقون عليه رزقه، يسرقون جهده، يهمشون صوته، ويحاولون كسر عينه حتى يتعلم كيف يطأطئ رأسه مثلما فعل غيره ، يريدونه أن يقتنع أن الكرامة خطأ وأن الشرف حماقة وأن زمن المبادئ انتهى، لكنهم لا يعلمون أن الإنسان حين يخسر ماله يمكن أن يعوضه، أما حين يخسر نفسه فلن يعوضه شيء في هذا العالم.

بعض الذين يعتقدون أنفسهم كباراً ليسوا سوى أقزام رفعتهم المصالح مؤقتاً ، يتحدثون عن القوة وهم يرتجفون من كلمة حق، ويتباهون بالسلطة وهم عاجزون عن مواجهة رجل فقير ينام مرتاح الضمير. لأن الطغاة دائماً يخافون من الإنسان الذي لا يمكن شراؤه ، وما أقسى أن يظلم الشريف فقط لأنه لم يكن منافقاً ، وما أقسى أن يتحول صاحب اليد البيضاء إلى متهم، بينما يتصدر المشهد من لوثوا أيديهم بحقوق الناس. لكن هذه سنة الحياة منذ بدأ الظلم على الأرض ، يُحارب النظيف لأنه يذكر القذرين بحقيقتهم .
ومع ذلك… لا يجب أن يصمت .
ليس خوفاً من البشر، بل احتراماً لنفسه. لأن السكوت الطويل على الظلم لا يصنع سلاماً بل يصنع مقبرةً بطيئة للكرامة ، والله لم يخلق الإنسان ليعيش مكسور الروح من أجل رضا المتجبرين. الرزق ليس بيد مسؤول، ولا صاحب نفوذ. الرزق بيد ربٍ يقول للشيء كن فيكون. ومن اتقى الله لن يضيعه الله، حتى لو تكالبت عليه الدنيا كلها.
سيأتي يوم تسقط فيه الأقنعة ، يوم يكتشف الجميع أن الرجل البسيط الذي حاربه صاحب البدلة الماركه كان أنظف منه . وسيعرف الظالم مهما طال به الوقت، أن دعوة المظلوم لا تسقط بالتقادم، وأن الله يمهل لكنه لا يهمل.
أما الشريف… فسيبقى واقفاً حتى لو كان متعباً ، سيبقى شامخاً حتى لو عاد كل ليلة بقلبٍ مثقل بالخذلان ، لأنه يعرف حقيقة واحدة لا يفهمها الفاسدون أبداً وهي أن الإنسان قد يعيش فقير المال… لكنه إذا عاش عزيز النفس، نظيف الضمير، فقد ملك الدنيا كلها.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم