منسيه يكتب: عقد العمل في الأردن بين "سلطان الإرادة" ومتطلبات الاستثمار: قراءة قانونية معاصرة

منذ 16 ساعة
المشاهدات : 11784
 منسيه يكتب: عقد العمل في الأردن بين "سلطان الإرادة" ومتطلبات الاستثمار: قراءة قانونية معاصرة
المحامي محمد رجب منسيه

المحامي محمد رجب منسيه

لطالما كان النقاش حول طبيعة العلاقة بين العامل وصاحب العمل محوراً مهماً في الفقه القانوني والقضاء، لا سيما في ظل التطورات الاقتصادية المتسارعة، في الأردن كما في العديد من الدول تتجه الأنظار نحو إعادة قراءة هذه العلاقة بما يحقق توازناً دقيقاً بين حماية حقوق العمال- وهي حماية دستورية وقانونية لا يمكن المساس بها- وبين ضرورة توفير بيئة جاذبة للاستثمار تدعم النمو الاقتصادي.
ويستند جوهر هذا التوجه إلى القاعدة القانونية الراسخة بأن "العقد شريعة المتعاقدين". فاحترام الشروط التعاقدية، خصوصاً تلك المتعلقة بآليات إنهاء العلاقة التعاقدية، يمنح الطرفين قدراً كبيراً من اليقين القانوني. على سبيل المثال، يحدد قانون العمل الأردني، وتحديداً المادة (23) منه، الإجراءات الواجب اتباعها عند إنهاء عقد العمل غير محدد المدة، حيث تلزم الطرف الراغب في الإنهاء بإشعار الطرف الآخر خطياً قبل شهر واحد على الأقل.
فإذا ما تم تضمين عقد العمل محدد المدة شرط يسمح لصاحب العمل انهاء عقد العمل شرط إشعار العامل فإن ذلك الإجراء سيخفف من النزاعات ويعزز الثقة، ويحد من التأويلات المختلفة التي قد تنشأ عند الخلاف.
في السياق الاقتصادي الأردني الحديث، تبرز أهمية المرونة في تنظيم علاقات العمل كعنصر حيوي لجذب الاستثمارات. عندما تتمكن المنشآت من إدارة علاقاتها الوظيفية ضمن آليات تعاقدية واضحة ومرنة، مثل نظام الإشعار المسبق المنصوص عليه في القانون، فإن ذلك يساهم في خلق بيئة عمل أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية. هذا بدوره يشجع على التوسع في التشغيل وتوفير فرص عمل جديدة، بدلاً من التردد الذي قد ينجم عن قيود تعاقدية صارمة قد تعيق نمو الأعمال.
ومع ذلك، يجب التأكيد أن هذا التوجه نحو المرونة لا يعني بأي حال من الأحوال الانتقاص من حقوق العامل الأساسية التي كفلها القانون الأردني.
فالحماية القانونية تظل قائمة لضمان الحقوق الجوهرية مثل الأجور العادلة، والإجازات السنوية، وساعات العمل المحددة، وتوفير بيئة عمل آمنة وصحية
إنما يعاد صياغة مفهوم الحماية ضمن إطار أكثر توازناً، يتيح مساحة أكبر لتنظيم بعض الجوانب التعاقدية بما يحقق العدالة للطرفين، مع ضمان منح العامل وقتاً كافياً لترتيب أوضاعه المهنية عند انتهاء العلاقة، كما هو الحال في فترة الإشعار.
من هذا المنطلق، يتجه الفهم المعاصر لعلاقات العمل في الأردن نحو تجاوز النمط التقليدي الذي قد يتسم بالجمود في التفسير، لصالح نموذج أكثر ديناميكية يقوم على الشراكة التعاقدية.
في هذا الإطار، يصبح وضوح العقود واستقرار تفسيرها القضائي، المستند إلى أحكام قانون العمل والاجتهادات القضائية لمحكمة التمييز الأردنية، عنصراً محورياً في بناء سوق عمل مستقر وجاذب للاستثمار، يعزز الثقة في الالتزامات التعاقدية ويدعم كفاءة هذا السوق.
يعد تعزيز مبدأ "سلطان الإرادة" في عقود العمل، ضمن الضوابط التي يفرضها قانون العمل الأردني، اتجاهاً قانونياً يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين روح القانون المدني وخصوصية قانون العمل.
هذا التوازن يساهم في بناء بيئة مهنية قائمة على الشفافية والوضوح والمسؤولية المشتركة، ويحقق في الوقت ذاته معادلة تجمع بين دعم الاستثمار وصون الحقوق الأساسية للعامل، ليظل العقد هو حجر الزاوية في تنظيم علاقات العمل الحديثة في المملكة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم