د. زياد جلال الحنفي يكتب: المدرسة ليست جدرانًا بل أرواحًا تنمو أو تنطفئ

منذ 2 ساعة
4493
د. زياد جلال الحنفي يكتب: المدرسة ليست جدرانًا بل أرواحًا تنمو أو تنطفئ
د. زياد جلال الحنفي

د. زياد جلال الحنفي

في حياة كل إنسان، تبقى المدرسة واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في تشكيل شخصيته، ليس فقط لأنها المكان الذي يتعلم فيه القراءة والكتابة والحساب، بل لأنها البيئة التي يكتشف فيها ذاته، ويكوّن فيها صورته الأولى عن العالم، وعن الآخرين، وعن نفسه. وفي قلب هذه البيئة يقف المعلم، لا بوصفه ناقلًا للمعلومة فحسب، بل بوصفه صانعًا للوعي، ومهندسًا للمشاعر، ومؤثرًا قد يزرع في الطفل الثقة والأمل، أو يترك في داخله جرحًا يستمر أثره لسنوات طويلة.
الطفل لا ينسى من آمن به، كما لا ينسى من كسر روحه. كلمة واحدة من معلم قد تجعل طالبًا يرى نفسه قادرًا على النجاح والتفوق، ونظرة ازدراء أو تعليق ساخر قد تدفعه إلى الشك في قيمته وإمكاناته. لهذا فإن دور المدرسة يتجاوز المناهج والاختبارات والدرجات، ليصبح مسؤولية إنسانية وأخلاقية عظيمة تتعلق ببناء الإنسان قبل تقييمه.
المدرسة الحقيقية ليست تلك التي تتباهى بصورها على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا التي تزين جدرانها بالشعارات البراقة، بل هي المدرسة التي يشعر فيها الطفل بالأمان، ويذهب إليها بقلب مطمئن، ويعود منها أكثر ثقة بنفسه وأكثر حبًا للتعلم. هي المدرسة التي تدرك أن النجاح الأكاديمي لا ينفصل عن الصحة النفسية، وأن الطالب الذي يشعر بالاحترام والتقدير يكون أكثر قدرة على الإبداع والإنجاز.
أما المعلم، فهو العنصر الأهم في هذه المنظومة. فالمعلم المؤثر لا يقاس بعدد الصفحات التي أنجزها، ولا بكمية الواجبات التي أعطاها، بل بقدرته على الوصول إلى قلب الطالب قبل عقله. هو الذي يرى في كل طفل قصة مختلفة، ويؤمن بأن خلف الصمت موهبة، وخلف الخوف طاقة كامنة، وخلف الخطأ فرصة للتعلم. هو الذي يصحح السلوك دون أن يهين، ويوجه دون أن يجرح، ويضع الحدود التربوية دون أن يهدم الكرامة.
التأثير الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن الطفل ليس مشروع علامة مدرسية، بل إنسان صغير يحمل مشاعر حساسة، ويتأثر بأدق التفاصيل. نبرة الصوت، طريقة التصحيح، أسلوب الحديث، وحتى تعبيرات الوجه، كلها رسائل تصل إلى الطفل وتبني داخله تصورًا عن ذاته. فإذا شعر أنه مقبول ومحبوب، نما بثقة. وإذا شعر أنه مرفوض أو مقارن بالآخرين أو موضع سخرية، انكمش وتراجع وربما فقد شغفه بالتعلم.

ليس المطلوب من المعلم أن يكون مثاليًا، بل أن يكون إنسانًا واعيًا لأثره. أن يسأل نفسه كل يوم: هل كنت اليوم سببًا في إسعاد طفل أم في إحباطه؟ هل زرعت الأمل أم الخوف؟ هل جعلت الطالب يحب المدرسة أم يتمنى الهروب منها؟ هذه الأسئلة هي جوهر الرسالة التربوية الحقيقية.
كما أن إدارة المدرسة تتحمل مسؤولية كبيرة في ترسيخ هذه الثقافة. فالبيئة التعليمية الناجحة هي التي تدعم المعلمين، وتوفر لهم التدريب المستمر على الذكاء العاطفي والتواصل الإنساني، وتؤمن أن بناء العلاقات الإيجابية مع الطلبة لا يقل أهمية عن تحقيق النتائج الأكاديمية. فالمدرسة التي تهتم بالإنسان تترك أثرًا أبقى من أي شهادة أو تكريم.
إن الأطفال لا يحتاجون إلى من يخيفهم بقدر ما يحتاجون إلى من يفهمهم. لا يحتاجون إلى من يركز على أخطائهم، بل إلى من يرى فيهم إمكانات عظيمة لم تتفتح بعد. وكل معلم يمتلك القدرة على أن يكون نقطة تحول في حياة طالب، وأن يترك ذكرى جميلة تبقى في القلب مدى العمر.
وفي النهاية، سيكبر الأطفال وينسون الكثير من الدروس والتفاصيل، لكنهم لن ينسوا أبدًا كيف جعلتهم المدرسة يشعرون. سيتذكرون من احتواهم، ومن شجعهم، ومن منحهم الثقة عندما شكوا في أنفسهم. ولذلك، فإن أعظم رسالة تربوية يمكن أن نحملها هي أن نكون مؤثرين في الأطفال قبل أن نكون منفرين، وأن نزرع في قلوبهم حب العلم، وحب الذات، والإيمان بأنهم قادرون على صناعة مستقبل أجمل.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم