الحلقة الأولى: هل مشروع قانون التربية والتعليم العالي يمثل الإصلاح… أم حين يبدأ الطريق من الاتجاه الخاطئ؟؟؟
في قاعةٍ يغلب عليها وقار الدولة، وفي مجلس الأمة الموقر ، وتُصاغ فيها ملامح المستقبل بين نصٍ يُقترح ورأيٍ يُناقش، وقد قفتُ أمام لجنة التربية النيابية في مجلس النواب بتاريخ الرابع والعشرين من آذار لعام 2026، لا بصفتي شاهدًا على مشروع قانون، بل بصفتي معنيًا بمصير منظومةٍ تمسّ كل بيتٍ أردني، وكل جيلٍ قادم. لم تكن المداخلة مجرّد رأي تقني، بل كانت محاولة لطرح سؤال جوهري: هل نحن أمام إصلاح حقيقي، أم أمام إعادة صياغة للأزمة بلغةٍ قانونية جديدة؟ وهل نحن أمام أصلاحات يرغبها جلالة الملك.
من حيث المبدأ، لا يختلف اثنان على أن سعي جلالة الملك نحو عملية الإصلاح في التعليم ضرورة لا تحتمل التأجيل، وهي رؤية ملكية سامية ، ونجدها في تفكير سمو الامير الحسين ضرورة الضروريات القصوى ، بل ان أنها لزوم ما يلزم في زمنٍ لم يعد فيه التقدم خيارًا، بل شرطًا للبقاء. فالتعليم ليس قطاعًا كبقية القطاعات، بل هو القاعدة التي تُبنى عليها الدولة، والمرآة التي تنعكس فيها جودة كل السياسات الأخرى. وحين يختلّ التعليم، لا يبقى خللٌ في نطاقه، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد، والإدارة، والثقافة، بل وحتى إلى بنية المجتمع ذاته.
غير أن المشكلة لا تكمن في مبدأ الإصلاح، وإنما في الكيفية التي يُفهم ويُمارس بها هذا الإصلاح. فليس كل تعديلٍ يُعدّ إصلاحًا، وليس كل تغييرٍ يحمل في طيّاته تطورًا. لقد اعتادت السياسات التعليمية، عبر سنوات طويلة، أن تلجأ إلى ما يمكن وصفه بالإصلاح الشكلي، حيث تُعالج الأزمات العميقة عبر تعديلات جزئية أو إعادة ترتيب للهياكل، وكأن الخلل يكمن في العناوين لا في المضامين، وفي الشكل لا في الجوهر.
إن القراءة المتأنية للأدبيات الحديثة في إصلاح التعليم تكشف بوضوح أن الإصلاح الحقيقي لا يقوم على الترميم، بل على إعادة التأسيس، ولا يُبنى على حلول ترقيعية، بل على رؤية شمولية متكاملة تُعيد تعريف العلاقة بين التعليم والدولة والمجتمع والاقتصاد. ومن هنا، فإن أي مشروع قانون لا يستند إلى هذا الفهم العميق، إنما يخاطر بأن يكون مجرد إعادة إنتاج للأزمة، ولكن بصورة أكثر تعقيدًا.ايضا أن التوقف بتفحص الاوراق النقاشية لجلالة الملك ، تجعلنا ،التوقف على مشروع مهم يسعى لتطوير التربية والتعليم ، ولذا فأننا نقدم القراءة بصورة تبيان مواطن القوة لتبقى صيرورة التحديث، والوصول الى مواطن الضعف لتلافيها وتقديم التصويب لها، لنكون شركاء وليس فرقاء، فنقدم خبرتنا العملية بهذا الشأن تجويدا ، ويفهم هنا، أننا ، أيضا مواطنيين في المملكة الاردنية الهاشمية.
وحين ننتقل من النظرية إلى الواقع الأردني، تتضح المفارقة بشكل أكثر حدّة. فالمشكلة في التعليم العالي لا تكمن في غياب النصوص، بل في ضعف فاعليتها. لدينا منظومة تشريعية قائمة، وقوانين نافذة، وأنظمة وتعليمات متراكمة، لكن ما نفتقده هو الحوكمة الرشيدة، وكفاءة التنفيذ، وفعالية المساءلة. وهنا يصبح تعديل القانون، دون معالجة هذه الجوانب، أشبه بمحاولة تغيير الواجهة دون إصلاح الأساس.
إن تحويل النقاش من تطوير آليات التطبيق إلى إعادة كتابة النصوص يمثل انزياحًا خطيرًا في مسار الإصلاح، لأنه يتجاهل حقيقة أن القوانين، مهما بلغت دقتها، لا تُحدث أثرًا إن لم تجد بيئة تنفيذية قادرة على تفعيلها. ولهذا، فإن الإصرار على المعالجة التشريعية وحدها، دون إصلاح الحوكمة، قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، تتمثل في تكريس الأزمة بدل حلها.
وتتعمق الإشكالية أكثر حين ننظر إلى السياق العالمي. ففي الوقت الذي تتجه فيه الأنظمة التعليمية المتقدمة نحو تعزيز استقلال الجامعات، وتمكين القرار الأكاديمي، وتقليل التدخل الحكومي المباشر، نجد أنفسنا أمام مشروع يسير في الاتجاه المعاكس، حيث تتعزز المركزية، وتُعاد صياغة السلطة بطريقة أكثر تركيزًا. وهذا لا يمثل مجرد اختلاف في الرؤية، بل يعكس فجوة بين ما يجري عالميًا وما يُقترح محليًا.
فالجامعات، بطبيعتها، مؤسسات قائمة على الحرية الأكاديمية، وعلى القدرة على الابتكار والتجديد، وهذه الخصائص لا تزدهر في بيئة مقيّدة أو خاضعة لإدارة مركزية صارمة. وكل تجربة دولية ناجحة تؤكد أن جودة التعليم العالي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمستوى استقلال المؤسسات الأكاديمية، وقدرتها على اتخاذ قراراتها ضمن إطار رقابي لا وصائي.
وفي خضم هذا المشهد، تبرز قضية لا تقل أهمية، بل ربما تُعد الأكثر إلحاحًا، وهي العلاقة بين التعليم وسوق العمل. فواحدة من أعمق أزمات التعليم العالي في الأردن تتمثل في الفجوة المستمرة بين مخرجاته واحتياجات الاقتصاد، حيث يتخرج الطلبة وهم يحملون مؤهلات لا تجد طريقها إلى فرص العمل، أو مهارات لا تتوافق مع متطلبات السوق. وهذه المشكلة ليست طارئة، بل هي تراكمٌ لسنوات من غياب التخطيط الاستراتيجي، وضعف الربط بين السياسات التعليمية والاقتصادية.
ومع ذلك، فإن المشروع المطروح لا يبدو أنه يعالج هذه الفجوة بشكل جوهري، بل يمرّ عليها مرورًا عابرًا، وكأنها تفصيل يمكن تجاوزه، في حين أنها تمثل قلب الأزمة. فالتعليم، في جوهره، ليس عملية إنتاج شهادات، بل عملية إعداد إنسان قادر على الإسهام في التنمية، وإذا انقطعت هذه الصلة، فقد التعليم مبرره الأساسي.
ولعل أخطر ما في المشهد هو أن الحديث عن الإصلاح ليس جديدًا. فمنذ أكثر من ثلاثة عقود، تتكرر الشعارات ذاتها، وتُطرح المبادرات نفسها، لكن النتائج تبقى دون مستوى التطلعات. وهذا ما يقود إلى استنتاج لا يمكن تجاهله، وهو أن المشكلة ليست في نقص التشريعات، بل في ضعف تطبيقها، وفي غياب الإرادة المؤسسية القادرة على تحويل النص إلى واقع.
وبناءً على ذلك، فإن إضافة قانون جديد إلى منظومة تعاني أصلًا من اختلالات في التنفيذ، قد لا يكون خطوة نحو الحل، بل قد يزيد من تعقيد المشهد، خاصة إذا لم يُعالج جذور المشكلة، واكتفى بإعادة ترتيبها.
إن مشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لعام 2026، بصيغته الحالية، يبدو وكأنه يبدأ من حيث لا يجب أن يبدأ، وينشغل بما ليس جوهريًا على حساب ما هو أساسي. فهو يعيد تشكيل الهياكل، لكنه لا يعيد بناء المنظومة، ويتحدث عن الإصلاح، لكنه لا ينفذ إلى عمقه الحقيقي.
تلك ،وجهة نظري ، لشخصي وحيث امضيت سنوات حياتي في جدران اجتماعات اللجان والمجالس وملما بشؤون التعليم العالي، والقصد هنا، نقل الخبرات المجانية وتقديمها، فأن توافقت بفكرها السليم فنعم الآمر وأن أخطأنا فما نحن الآ بشر ، وليس لنا من الكمال ألأ اقله . والكمال لله والنقص لخلقه وهو النقص في عدم أدراكنا لضعفنا ليظهر كمال الخالق وحده، وفي الحلقات القادمة، سننتقل من هذا الإطار العام إلى تحليل تشريعي دقيق، نكشف فيه كيف يمكن للنصوص المقترحة أن تؤدي إلى تركيز غير مسبوق للسلطة، ولماذا يشكل ذلك خطرًا على الحوكمة، وعلى استقلالية التعليم العالي، وعلى مستقبل هذا القطاع الحيوي.
د. محمود الحبيس
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
02
الأردن اليوم
صاحب مركبة جرش يوضح تفاصيل الحادث: تعطل مفاجئ بالفرامل والجميع بخير .. فيديو
منذ 3 أيام
03
الأردن اليوم
أردني يجري عملية تركيب دعامة ويتهم الطبيب بالغش .. والقضاء يعلن عدم مسؤوليته
منذ 3 أيام
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
عقيد متقاعد محمد الخطيب يكتب: هل يتجه العالم نحو حرب كبرى بقرار من قادته… أم أن الحروب بدأت تخرج عن السيطرة؟
منذ 51 دقيقة
كُتاب سرايا
محمد يونس العبادي يكتب: الأحزاب في مشهدنا العام
منذ 1 ساعة
كُتاب سرايا
خريسات يكتب: الجامعات والكليات الخاصة .. بين الاستثمار التعليمي والاستقرار الوظيفي
منذ 3 ساعات
كُتاب سرايا
بتول عدنان الملكاوي تكتب: من التعاون التنموي الأردني السعودي إلى مشروع نوعي يجمع الزراعة والتكنولوجيا والتصنيع والتصدير
منذ 3 ساعات
كُتاب سرايا
د.محمود عبدالله الحبيس يكتب: ملامح النهضة في أداء مجالس البلديات: كيف تستعيد المجتمعات المحلية زمام المبادرة؟.
منذ 3 ساعات
أخبار فنية
فن
محمد إمام عن انضمام أحمد السقا الى "الأساتذة": "نجم العالم"
منذ 2 ساعة
فن
محمد رمضان حليق الرأس بعد خروج مي عمر من مسلسله (فيديو وصور)
منذ 2 ساعة
فن
طارق الشيخ يحضر مفاجآت غنائية جديدة لجمهوره .. أغنيات سينجل قريبًا
منذ 10 ساعات
فن
آن هاثاواى تحسم موقفها من نهاية «Verity» .. أنا مع الرسالة
منذ 10 ساعات
فن
وليد سعد يكشف كواليس تعاونه مع شيرين فى أغنية خاين
منذ 10 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
ضربة قاضية تمنح موظفا بسيطا عقد مقاتل محترف
منذ 3 دقائق
رياضة
رقصة على قمة العالم لعشرين عاماً .. ميسي ورونالدو
منذ 16 دقيقة
رياضة
عبد الكريم خطاب يتوج بذهبية بطولة المكسيك المفتوحة لرفع الأثقال البارالمبي
منذ 1 ساعة
رياضة
استطلاع: البرتغاليون لا يريدون عودة رونالدو إلى المنتخب
منذ 2 ساعة
رياضة
غوارديولا يعود بشكل مفاجئ إلى مانشستر سيتي بعد الانتهاكات المالية
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
70 % من «جيل Z» يفضلون التجارب المشتركة على الإنفاق الشخصي
منذ 15 دقيقة
منوعات من العالم
مؤامرة 2006 تتحكم في حقيبتك .. هل ينتهي كابوس الـ100 مل في المطارات؟
منذ 18 دقيقة
منوعات من العالم
ليس خيالاً علمياً .. كمبيوتر كامل داخل قطرة ماء
منذ 19 دقيقة
منوعات من العالم
800 راكب في طائرة واحدة .. الصين تغيّر مستقبل الطيران
منذ 20 دقيقة
منوعات من العالم
لماذا نرى السماء مظلمة رغم وجود مليارات النجوم؟
منذ 26 دقيقة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات