د.محمود عبدالله الحبيس يكتب: ملامح النهضة في أداء مجالس البلديات: كيف تستعيد المجتمعات المحلية زمام المبادرة؟.

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 21376
د.محمود عبدالله الحبيس يكتب: ملامح النهضة في أداء مجالس البلديات: كيف تستعيد المجتمعات المحلية زمام المبادرة؟.
د. محمود الحبيس

د. محمود الحبيس

تمر الإدارة المحلية اليوم بمنعطف تاريخي يفرض عليها الانتقال من الدور الخدمي التقليدي الضيق إلى أفق تنموي شامل. إن النهضة الحقيقية في أداء مجالس البلديات لا تقاس بكمية تعبيد الطرق أو عدد إنارات الشوارع فحسب، بل بمدى قدرتها على التوفيق بين تطلعات المجتمعات المحلية والواقع المكاني، وتفعيل أحكام قانون الإدارة المحلية لتحويل البلديات من جهات بيروقراطية إلى رافعات تنموية حقيقية. فكيف للمجتمعات المحلية أن تتوفق في عملها؟ وما هي الملامح الأساسية لبلديات المستقبل؟

القيادة بالثقة لا بالوصاية: تتطلب النهضة البلدية وجود أشخاص مؤثرين يلتصقون بثقة مجتمعاتهم المحلية، ويستمدون شرعيتهم من القرب والعمل الميداني. إن مجالس المستقبل لا تحتاج إلى "أوصياء" يفرضون قرارات فوقية أو يتعاملون مع السكان من أبراج عاجية، بل تحتاج إلى قادة يؤمنون بأن وعي المجتمع شريك أساسي في التنمية المعاصرة. غياب الوصاية يعني فتح الأبواب أمام حوار حقيقي يبني جسور الثقة المتبادلة.

تنمية المكان والتخطيط المكاني الشامل: الملمح الأبرز للبلديات النهضوية هو الإيمان العميق بـ "تنمية المكان" عبر التخطيط المكاني الذكي الذي تتماشى أهدافه مع أطر التنمية المستدامة والمخططات الشمولية المعمول بها قانوناً. لم يعد العمل البلدي مجرد ردود أفعال تجاه مشكلات عابرة، بل أصبح رؤية استراتيجية تستثمر في المزايا التنافسية لكل منطقة، وتحافظ على هويتها، وتوزع الموارد بعدالة جغرافية تضمن استدامة بيئية واقتصادية للأجيال القادمة.

مجالس بلدية فطنة وفاعلة.. صديقة للسكان لا عبء عليهم: يجب أن تشعر المجتمعات المحلية بأن المجلس البلدي ملاذ آمن وصديق يدعم تطلعاتهم ويسهل حياتهم اليومية، وليس عبئاً جباياً أو عائقاً إدارياً يعطل مصالحهم. إن المجالس البلدية الفطنة والفاعلة هي التي تسخر التكنولوجيا لتبسيط الإجراءات، وتلتزم بالشفافية المطلقة، وتقدم خدمات ذكية ترفع جودة الحياة وتجعل المواطن يشعر بالفخر والراحة في انتمائه للمكان.

تشاركية التفكير وتحويل النقد إلى منافع: إن الإدارة الحصيفة هي التي تتخذ من "تشاركية التفكير" نهجاً ثابتاً في اتخاذ القرار، مفعّلةً بذلك أدوات المشاركة الشعبية التي كفلها القانون. البلديات الناجحة هي التي تملك النضج المؤسسي لتقبل الآراء والانتقادات المخالفة برحب وسعة، وبدلاً من خوض "هجوم مضاد" على السكان أو تهميش أصواتهم، تعمد إلى تفكيك هذا النقد وتحويله إلى فرص ومنافع ومشاريع حقيقية على أرض الواقع. النقد في بيئة تشاركية هو بوصلة لتصحيح المسار وليس أداة للمناكفة.

الخلاصة: إن ملامح النهضة البلدية تتجلى في ولادة مجالس بلدية تنموية مكانية، تضع الإنسان والمكان في قلب اهتمامها، وتستند إلى تطبيق مرن وواعٍ لـ قانون الإدارة المحلية. مجالس تكون بوصلتها الحقيقية هي تعزيز علاقة السكان بالمكان وتعميق انتمائهم له، بعيداً عن محاولات اختطاف وعي السكان أو تزييف تطلعاتهم. إن نجاح الإدارة المحلية يبدأ وينتهي عندما يصبح المكان مرآة لطموح الساكنين، وتصبح البلدية القائد المخلص لتحقيق هذا الطموح.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم