سياق التاريخ والمصير الحتمي

منذ 2 سنة
8762
سياق التاريخ والمصير الحتمي
سيف منور

سيف منور

يرى جمع من الكتّاب العرب ان الدول العربية باتت ممزقة وفي اواخر عهدها ، ولا نجاة للمواطن العربي الا في نهايتين قاتلتين ، اما الهجرة والضياع الى بلاد الاغتراب ، او البقاء في جحيم الاوطان كما حدث في سوريا والعراق وغزة وغيرها ، مما جعلني استقرء التاريخ لشعوب اوروبا المتحضرة وامريكا الحديثة ، وكيف بنيت تلك الدول وما الذي مر بها ، وعليه فان مصير الانسان العربي ليس الاستكانة في مكانه وقبول الواقع المر ، ولا الهجرة وما تخلفه من شتات وتديمر للذات العربية ، فكلاهما آمرٌ من الاخر ، الحل هو في صيرورة التاريخ ، التي تقول ان المجتمعات المنعتقة من الاستعمار الحديث لا بد لها من ان تمر في مراحل عدة حتى تستقر .

هذه المراحل هي حتمية تاريخية لا بد منها ، فالمرحلة الاولى هي الانعتاق من الاستعمار باي وسيلة كانت ، وهذا ما حدث مع الدول العربية التي انهت الاحتلال التركي بعد الحرب العالمية الاولى ، وخاب أملها عندما اُستعمرت من الدول المنتصرة ، وتوزعت بين بريطانيا وفرنسا وايطاليا ، المرحلة الثانية هي الجلاء للمستعمر الحديث ، حيث نالت اغلب الدول العربية استقلالها من الدول المستعمرة تباعا بعد الحرب العالمية الثانية ، واستمر ذلك من العام 1946 " دول بلاد الشام " والستينات " دول المغرب العربي " انتهاء بدول الخليج حتى اوائل السبعينات ، المرحلة الثالثة هي المشاكل الداخلية والانقلابات والحروب العربية - العربية ، وذلك للخلاص من ذيول المستعمر وتركته البغيضة ووكلائه في الانظمة العربية ، وهذه اخذت اشكالا مختلفة حتى وصلنا الى ما سمي بالربيع العربي او " الدمار العربي " الذي اجتاح الدول العربية في اغلبها واسقط اغلب انظمتها ومازال العرب تحت هذه الموجة ، وبهذا يكون قد مر على الامة العربية منذ تأسيس اول دولة حديثة في عشرينينات القرن الماضي الى عشرينيات القرن الحالي مئة عام ، المرحلة الرابعة التي لم تبدأ بعد وهي مرحلة تثبيت النظم الحديثة بعد حروب طاحنة ستحدث داخل الدول انفسها ، وذلك لاعادة تشكيل البنى الاجتماعية والسياسية واعادة بناء التكتلات والتحالفات مع الدول المجاورة ، لان اتفاقية سايكس- بيكو عندما قسمت الوطن العربي لم تراع الجغرافية والتاريخ المشترك والبنى الاجتماعية ، وهذه المرحلة قد تعيد تسمية المسمى واعادة ضم وتجريف ما هو قائم .

هذه المراحل تعتبر اجبارية كي يدخل العرب المرحلة التي دخلت فيها اوروبا نظامها الحديث بعد الحرب العالمية الثانية ، فاوروبا اليوم التي نُعجب بها خاضت حروب طاحنة في ما بينها كثيرة ، منها حروب دينية ، ومنها عرقية ، ومنها فكرية ، الى ان تمخضت عن حربين عالميتين ازهقتا قرابة ستين مليون انسان ، ثم استقرت ، فهل المواطن العربي يعتقد انه سيصل الى ما وصل اليه المجتمع الاوروبي دون ان يدفع الثمن ، من المؤكد لا ، فلكل شيء ثمن .

ان ما يشهده العالم العربي اليوم ، ما هو الا " طبطبة " على الاوجاع ، ومعالجة حثيثة ليوميات الحُكم العربي ، دون رؤية استراتيجية عميقة لمستقبل العرب ، لذا فالقادم لن يكون اصعب من الحاضر كما لن يكون اسهل ، بل سيكون متفقا مع منطق تطور الاحداث ، وحقيقة التاريخ وتطور المجتمعات ، انها ليست نجاة مؤقتة بل هي انتظارٌ لمصيرٍ محتوم وفق السياق التاريخي لولادة الدول .
والله من وراء القصد ..

سيف منور
باحث سياسي وقانوني
saifmenwer@gmail.com
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم