جروح لا تراها العين .. كيف تشكل الإساءة العاطفية الأسرية حياة الأبناء؟

منذ 6 دقائق
المشاهدات : 7170
جروح لا تراها العين ..  كيف تشكل الإساءة العاطفية الأسرية حياة الأبناء؟
سرايا - تسلّط تقارير ودراسات نفسية حديثة الضوء على الأثر العميق وغير المرئي للنشأة في بيئة أسرية تتسم بالإساءة العاطفية. فعلى عكس العنف الجسدي الذي يترك كدمات واضحة، غالبًا ما يتسلل الأذى النفسي عبر مسارات مستترة تشوّه أمان الطفل واستقراره الانفعالي لعقود ممتدة.


وفي حديث تضع الدكتورة النفسية جوانا أبو شقرا فارقاً جوهرياً بين نمطين داخل هذا الإطار، موضحة أن: "الإساءة العاطفية تتمثل في سلوك مؤذ يمارسه الوالدان تجاه الطفل، في حين يتمثل الإهمال العاطفي في غياب الاستجابة لاحتياجات الطفل العاطفية والنفسية".

وتتنوع أشكال هذه الممارسات السامة؛ حيث تفصّل الدكتورة جوانا أبو شقرا أبرز مظاهرها السلوكية داخل البيت:

الإهمال العاطفي

غياب الاحتواء والاهتمام والاستجابة للاحتياجات العاطفية للطفل، حتى في غياب الإساءة المباشرة.

الابتزاز العاطفي

استخدام الحب والذنب والخوف والتهديد للتحكم بسلوك الأبناء.

قلب الأدوار الأسرية

إجبار الطفل على القيام بدور الراعي أو المعالج النفسي لأحد الوالدين.

التثليث الأسري

إدخال الطفل في الصراعات الزوجية واستخدامه وسيطاً أو طرفاً في النزاع بين الوالدين.

التمييز والمقارنة بين الأبناء

خلق المنافسة والغيرة والشعور بعدم العدالة والانتماء داخل الأسرة.


ووفقا لخبراء من موقع "سايكولوجي توداي" المتخصص في علم النفس، تتسم هذه الأسر بآليات دفاعية مرضية؛ كالإنكار وتبرير أفعال المسيء، والتضليل النفسي الذي يُفقد الأطفال الثقة في إدراكهم لواقعهم، فضلاً عن فرض جدار من الصمت والعزلة، وممارسة تنمر الإخوة.

وفي كثير من الأحيان، يصبح أحد الأبناء "كبش فداء" يُحمّل وزر أزمات المنزل كافة، بينما يكون في الحقيقة الفرد الأكثر وعياً وسعياً لكسر دائرة الأذى.

الآثار النفسية للإساءة العاطفية
أما على صعيد التبعات الممتدة للرشد، فتؤكد الدكتورة جوانا أبو شقرا أن الآثار النفسية طويلة الأمد للإساءة تتمحور حول 5 مسارات خطيرة:

1. التعلق غير الآمن

تأثير الإساءة على تكوين الروابط العاطفية والشعور بالأمان في العلاقات المستقبلية، مسبباً خوفاً مرضياً من الهجر، أو ارتباكاً حاداً في وضع الحدود الصحية للثقة.

2.التشوهات المعرفية والمعتقدات الجوهرية السلبية

ترسيخ أفكار تشوه الهوية الذاتية، مثل: "أنا غير محبوب"، "أنا لا أستحق"، و"أنا مسؤول عن سعادة الآخرين".

3.انتقال الصدمات عبر الأجيال

تكرار الأنماط التربوية المؤذية وإعادة إنتاجها بصورة غير واعية من جيل إلى آخر.

4.اضطرابات الصحة النفسية

ارتفاع احتمالات الإصابة بالاكتئاب واضطرابات القلق واضطراب ما بعد الصدمة واضطرابات الأكل.

5.السلوك الإدماني وإيذاء الذات

زيادة قابلية اللجوء إلى سلوكيات مؤذية أو تعاطي المواد المخدرة كوسيلة للتعامل مع الألم النفسي والمشاعر الصعبة.


وتقول الدكتورة جوانا أبو شقرا إن مسار التعافي يتطلب أولاً الاعتراف بحقيقة ما جرى، وفك الارتباط التلقائي بإنكار الأسرة ومناوراتها التضليلية، والبحث عن بيئات استشفاء واعية ودعم نفسي متخصص يعيد بناء الحدود المنتهكة.

وفي النهاية، أِشارت الدكتورة جوانا أبو شقرا إلى أن الطفل قد لا يتعرض للإهانة أو الصراخ أو التهديد، لكنه قد ينشأ في بيئة تخلو من الاحتواء والاهتمام والاستجابة العاطفية. فغياب الأذى الظاهر لا يعني بالضرورة وجود رعاية نفسية سليمة، إذ يمكن للصمت والتجاهل والحرمان العاطفي أن يتركوا ندوباً نفسية لا تقل أهمية عن تلك التي تخلفها الإساءة المباشرة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم