لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة للتسلية وقضاء أوقات الفراغ، بل أصبحت عالماً واسعاً يقضي فيه الأطفال ساعات طويلة، ويتواصلون من خلاله مع أشخاص لا يعرفون هوياتهم أو خلفياتهم الحقيقية، وهنا تبرز قضية تستحق الانتباه، وهي إمكانية استغلال بعض هذه الألعاب أو المنصات المصاحبة لها من قبل تنظيمات إرهابية متطرفة للوصول إلى الأطفال واستدراجهم فكرياً ونفسياً.
فالخطر لا يكمن بالضرورة في اللعبة نفسها، وإنما في البيئة الرقمية التي تحيط بها؛ إذ تتيح بعض الألعاب خاصية المحادثات الصوتية والنصية والتفاعل المباشر بين اللاعبين، ما يفتح المجال أمام أشخاص يستغلون براءة الأطفال وحاجتهم إلى الصداقة والانتماء والتقدير لبناء علاقات معهم، ثم الانتقال تدريجياً إلى التأثير في أفكارهم ومواقفهم وسلوكهم.
وقد تبدأ عملية الاستقطاب بمحادثة عابرة، أو إظهار الاهتمام بطفل يشعر بالوحدة، أو تقديم نفسه باعتباره صديقاً يفهمه ويشاركه اهتماماته، ثم تتطور العلاقة إلى محاولات لكسب ثقته، وعزله عن أسرته ومحيطه، وتغذية مشاعر الكراهية والتعصب، وصولاً إلى ترويج أفكار متطرفة أو دفعه للانضمام إلى مجموعات مغلقة خارج اللعبة.
إن ما يجعل هذا الخطر أكثر تعقيداً أن الاستقطاب لا يأتي دائماً بصورة مباشرة أو بشعارات واضحة، بل بتسلل الخطر عبر الترفيه والضحك والتحديات والمكافآت الافتراضية، مستفيداً من ضعف خبرة الطفل في التمييز بين الصديق الحقيقي وشخص يتخفى خلف شاشة بإسم مستعار.
ومن هنا، فإن مسؤولية حماية الأطفال لا تقع على الأسرة وحدها، وإن كانت تبدأ منها، بل هي مسؤولية مشتركة تتطلب دوراً فاعلاً من المؤسسات التربوية والأمنية والإعلامية، إلى جانب شركات الألعاب والمنصات الرقمية، فالرقابة الأبوية ثم الأسرية الواعية، ومتابعة طبيعة العلاقات التي يقيمها الأطفال عبر الإنترنت، وتوعيتهم بعدم مشاركة معلوماتهم الشخصية أو الانتقال إلى محادثات خاصة مع مجهولين، تمثل خطوط دفاع أساسية في مواجهة هذه المخاطر.
كما أن المطلوب ليس حرمان الأطفال من الألعاب الإلكترونية أو التعامل معها باعتبارها شراً مطلقاً، إنما ترسيخ ثقافة الاستخدام الآمن، وتطوير أدوات رقابة ذكية، والإبلاغ عن الحساب المشبوه، وملاحقة كل من يحاول استغلال الفضاء الرقمي لتجنيد الأطفال أو التأثير في عقولهم.
إن حماية الطفل اليوم لم تعد تقتصر على حمايته في الشارع والمدرسة والمنزل، بل تمتد إلى العالم الافتراضي الذي قد يكون أكثر اتساعاً وأقل وضوحاً للأهل، الطفل الذي نحرص على حمايته من الاستدراج في الواقع، يجب ألا نتركه وحيداً في عالم رقمي مفتوح على كل الاحتمالات.
إن معركتنا مع التطرف لا تبدأ عندما يحمل الطفل فكراً متطرفاً، بل تبدأ من حماية عقله قبل أن يصل إليه المتطرفون؛ فالأمن الفكري للأطفال جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني، والاستثمار في وعيهم اليوم هو حماية لمستقبل الوطن غداً.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات