فيصل تايه يكتب: حين يضرب الإرهاب المجتمع مرتين: مرة بالجريمة، ومرة بخطاب الكراهية

منذ 19 دقيقة
المشاهدات : 7590
 فيصل تايه يكتب: حين يضرب الإرهاب المجتمع مرتين: مرة بالجريمة، ومرة بخطاب الكراهية
فيصل تايه

فيصل تايه

للإرهاب وجهان؛ وجه يرتكب الجريمة ويستبيح الأرواح ويهدد الأمن، ووجه آخر يحاول أن يتركه في المجتمع بعد وقوعها: خوفاً وشكوكاً وانقساماً واتهامات تتجاوز الجناة لتطال الأبرياء. وإذا كانت الجريمة تستهدف الإنسان في حياته وأمنه، فإن خطاب الكراهية يستهدف المجتمع في ثقته وتماسكه وقدرته على البقاء موحداً.

وهنا يكمن أحد أخطر رهانات الإرهاب؛ ألا تقتصر نتائج الجريمة على ضحاياها، بل أن تتحول صدمتها إلى شرخ اجتماعي، وأن يصبح الخوف مدخلاً للتعميم والاشتباه وتبادل الاتهامات.

ومن هنا تبدأ معركة لا تقل أهمية عن مواجهة الجريمة نفسها: ألا نسمح للإرهاب بأن يحدد لنا كيف نفكر، أو كيف ننظر إلى بعضنا، أو كيف نتعامل مع اختلافاتنا.

فلا يجوز أن تتحول جماعة أو منطقة أو عائلة إلى موضع اتهام جماعي، ولا أن يصبح التدين شبهة، أو الاختلاف السياسي دليلاً على التطرف، أو المواقف من القضايا الإقليمية والدولية والإنسانية معياراً للوطنية أو قرينة للاشتباه. فالمسؤولية الجنائية فردية، والحقيقة لا تثبتها الانطباعات والشائعات، وإنما الأدلة والتحقيقات، ومرجع الفصل فيها القضاء. ورفض التعميم لا يعني التهاون مع الإرهاب؛ فمن يثبت تورطه في التخطيط أو التحريض أو التجنيد أو التمويل يجب أن يخضع للمساءلة القانونية. فالحزم والعدالة ركيزتان لا تستقيم المواجهة من دون اجتماعهما.

لكن مواجهة الجريمة لا تكتمل من دون فهم المسارات التي قادت إليها: كيف وصل بعض الأفراد إلى تبني فكر يبيح العنف؟ وكيف ينتقل الاستقطاب من فكرة عابرة إلى قناعة، ومن قناعة إلى تجنيد، ومن تجنيد إلى فعل إجرامي؟ هذه أسئلة أساسية لبناء سياسة وقائية تفهم الظاهرة قبل أن تواجه نتائجها.

فقد يجد خطاب التطرف منفذاً حين تضعف المعرفة النقدية، أو تغيب مساحات الحوار، أو يشعر بعض الشباب بالعزلة والحاجة إلى الانتماء. وقد يبدأ الاستقطاب بتواصل فردي على منصة رقمية، ثم ينتقل إلى مجموعات مغلقة تُمرر داخلها الأفكار المتطرفة تدريجياً. ولذلك لم يعد فهم التجنيد الرقمي ترفاً بحثياً، بل ضرورة أمنية وتربوية تستدعي دراسة أدواته ومساراته ودوافعه، من دون اختزال التطرف في الفقر أو البطالة أو التدين، أو التعامل مع المجتمع باعتباره موضع اشتباه.

وهنا تتسع المسؤولية الأمنية لتتجاوز ملاحقة الشبكات وإحباط المخططات إلى فهم أنماط الاستقطاب وتطوير أدوات التدخل المبكر، وفق القانون والضوابط المهنية. فنجاح العمل الأمني لا يقاس فقط بما يحبطه من مخططات، بل أيضاً بما يمنعه من أخطار قبل أن تتشكل. والأمن الوقائي ليس بديلاً عن إنفاذ القانون، وإنما امتداد له في حماية المجتمع وتقليص مصادر الخطر.

ومن الملفات التي تستدعي مراجعة مؤسسية جادة المؤسسات الإصلاحية. فالسجن ينفذ حكماً قضائياً، لكنه لا يعفي الدولة من مسؤولية منع تحوله إلى بيئة لإعادة إنتاج التطرف أو استقطاب نزلاء جدد. وهذا يتطلب برامج متخصصة للتأهيل النفسي والاجتماعي والتعليمي والمهني، والتمييز بين مرتكب الجريمة، والمحرض والمجنّد والمموّل، ومن تأثر بخطاب متطرف من دون أن يثبت تورطه في العنف. فلكل حالة طبيعتها القانونية والتأهيلية، والإصلاح ليس تساهلاً مع الجريمة، بل جزء من منع تكرارها وحماية المجتمع.

ولا يمكن لأي سياسة وقائية أن تحقق أهدافها من دون تناول دور التعليم والمؤسسات الدينية بجدية. فالمطلوب بناء عقل قادر على الفهم والنقد والتمييز بين المعرفة الدينية وتوظيفها الأيديولوجي لتبرير العنف. وهذا يستدعي مراجعة علمية للمناهج وأساليب التعليم، تعزز الوعي الديني وترسخ حرمة الدماء وكرامة الإنسان وقيم الرحمة والعدل.

كما يضع على العلماء والدعاة مسؤولية تفكيك التأويلات المتطرفة بالحجة والمعرفة، وعلى المدارس والجامعات توفير بيئات تحترم السؤال والحوار والاختلاف، فيما تظل الأسرة شريكاً أساسياً في الوقاية والتوعية.

أما الإعلام، فمسؤوليته في لحظات الأزمات تتجاوز نقل الخبر إلى حماية المجال العام من التضليل والتحريض. فالتسرع في نشر المعلومات غير الموثقة، وتداول الشائعات، وإعادة إنتاج خطاب الكراهية، قد يضاعف الضرر ويمنح الجريمة امتداداً اجتماعياً. والإعلام المسؤول لا يحجب الحقيقة، لكنه يتحرى دقتها، ولا يصادر حق الناس في المعرفة، لكنه لا يحوّل الخوف إلى مادة للاستقطاب.

إن تداخل هذه المسؤوليات يفرض الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى استراتيجية وطنية مستدامة تجمع الأمن والقضاء والتعليم والمؤسسات الدينية والإصلاحية والإعلام والعمل الاجتماعي، وتحدد مسؤوليات الجهات وآليات التنسيق بينها، وتخضع للتقييم والمساءلة. ولا ينبغي أن تقاس فاعليتها بعدد الاجتماعات والبيانات والبرامج المعلنة، بل بنتائج ملموسة: الحد من التجنيد، والتدخل المبكر، وفاعلية التأهيل، ومنع عودة الفكر العنيف، وتعزيز ثقة المجتمع بمؤسساته. فما لا يخضع للتقييم والمراجعة قد يتحول إلى إجراء يتكرر من دون أثر حقيقي.

وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول الدعوة إلى التماسك الوطني إلى ذريعة لإسكات النقد المسؤول أو تأجيل مراجعة مواطن الخلل. فمراجعة المناهج وأداء المؤسسات الإصلاحية والسياسات الوقائية ليست إساءة إلى الدولة، بل ضرورة لتطوير أدائها. فالدولة الواثقة لا تخشى الأسئلة الجادة، والمؤسسة القوية ترى في التقييم فرصة لتصحيح المسار وتعزيز الثقة العامة.

إن الأردن أمام مسؤولية تتجاوز التعامل مع حادثة بعينها؛ إنها مسؤولية حماية الإنسان وصون المجتمع وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساته، وبناء مناعة وطنية لا تسمح للفكر المتطرف باختراق الأجيال أو تحويل الاختلاف إلى عداوة. وهي مسؤولية تبدأ من القرار السياسي الذي يضع الأولويات ويضمن التنسيق والمساءلة، وتمتد إلى المؤسسات والأسرة والمدرسة والإعلام ووعي الفرد وسلوكه.

لا تمنحوا الإرهاب انتصاره الثاني. لا تسمحوا له بأن يقتل الضحايا، ثم يترك المجتمع يتقاتل بالاتهام والكراهية. فالمطلوب ليس أن نكون أقل حزماً في مواجهة الإرهاب، بل أن نكون أكثر وعياً بما يريد أن يفعله بنا بعد جريمته. نريد أمناً يحمي، وعدالة تنصف، وتعليماً يحصّن، ومؤسسات تراجع وتصلح، وإعلاماً يكشف الحقيقة، ومجتمعاً يرفض الانقسام.

فالأردن لا يُحمى بقوة أجهزته وحدها، على أهمية دورها، بل كذلك بهيبة القانون، وعدالة المؤسسات، وفاعلية السياسات الوقائية، وثقة المواطن، وتماسك المجتمع. المعركة لا تنتهي بإحباط الجريمة؛ بل تكتمل حين يفشل الإرهاب في اختراق المجتمع، وحين لا يجد خطاب الكراهية بيئة تستقبله أو جمهوراً يستجيب له.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم