المنطقة العربية اليوم أمام أزمة سياسية وحروب إقليمية لايمكن احتواء تداعياتها بمجرد وقف إطلاق النار؛ إنها أمام مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوة والنفوذ، تتصادم فيها المشاريع الجيوسياسية والاقتصادية، وتتداخل فيها حسابات الأمن والطاقة والمياه والممرات التجارية، فيما تبقى الشعوب العربية الأكثر تعرضاً لكلفة الصراعات ونتائجها.
في هذا المشهد المضطرب، جاء خطاب العرش السامي في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين ليؤكد أن الأردن لا يتعامل مع التحولات من موقع رد الفعل، بل من منطلق رؤية استراتيجية ثابتة، تعرف مصالح الدولة، وتدرك مسؤولياتها العربية، وتتمسك بثوابتها مهما اشتدت العواصف.
إن قراءة الخطاب بعمق تكشف امتداد مدرسة سياسية هاشمية تشكلت عبر عقود؛ مدرسة بدأت بتأسيس الدولة وترسيخ مؤسساتها، واستمرت في حماية استقلال قرارها الوطني، وتواجه اليوم تحديات غير مسبوقة في عالم تتغير فيه أدوات القوة، وتتسابق فيه الدول على رسم خرائط النفوذ والمصالح.
منذ تأسيس الدولة الأردنية، لم تكن الجغرافيا الأردنية بعيدة عن صراعات الإقليم، بل وضعت الأردن في قلب معادلات سياسية وأمنية معقدة. ومع ذلك، ظل الموقف الأردني قائماً على معادلة واضحة: حماية الدولة، وصون السيادة، والحفاظ على الاستقرار، والوقوف إلى جانب القضايا العربية العادلة، وفي مقدمتها فلسطين والقدس.
واليوم، تتجدد هذه المعادلة في ظل تصادم المشروعين الإسرائيلي والإيراني، بما يحمله ذلك من مخاطر على أمن المنطقة واستقرارها، ومن احتمالات لتوسيع دوائر المواجهة وتداعياتها على الدول المجاورة والممرات الحيوية والاقتصادات الوطنية.
فإسرائيل تعمل على إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، وتوسيع حضورها الأمني والاقتصادي، بينما تستند إيران إلى شبكة من التحالفات والنفوذ الإقليمي وأدوات الردع. وبين المشروعين، تجد المنطقة نفسها أمام صراع لا تقتصر نتائجه على الميدان العسكري، بل تمتد إلى خرائط الطاقة والتجارة والأمن الغذائي والمائي.
لكن الأخطر أن تتحول الدول العربية إلى ساحات لتصفية الحسابات، أو أن تصبح جغرافيتها وأراضيها ومقدراتها أدوات في مشاريع لا تصنع مصالح شعوبها.
المعركة لم تعد عسكرية فقط
ما يحدث في الشرق الأوسط لا يمكن فهمه من خلال الصراعات العسكرية وحدها؛ فهناك سباق عالمي موازٍ على الممرات الاقتصادية وسلاسل الإمداد ومصادر الطاقة والأسواق الجديدة.
الصين تمضي في مبادرة الحزام والطريق، باعتبارها مشروعاً واسعاً للترابط التجاري والاقتصادي، يمتد عبر آسيا والشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا، ويستهدف تعزيز شبكات النقل والتجارة والاستثمار والبنية التحتية.
وفي المقابل، تطرح الهند، بالشراكة مع الولايات المتحدة ودول أوروبية وخليجية، مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي الأوروبي، الذي يستهدف ربط الهند بالخليج وأوروبا عبر منظومة من الموانئ والسكك الحديدية والطاقة والاتصالات.
إننا أمام تنافس على من يمتلك طرق التجارة في المستقبل، ومن يتحكم في تدفقات الطاقة والسلع، ومن يستطيع تحويل موقعه الجغرافي إلى قيمة اقتصادية ونفوذ سياسي.
أما الولايات المتحدة، فرغم حضورها العسكري والاقتصادي والدبلوماسي الواسع، فإن المنطقة ما زالت بحاجة إلى رؤية أمريكية اقتصادية وسياسية متكاملة، تتجاوز إدارة الأزمات وموازين الهيمنة، نحو بناء بيئة إقليمية قادرة على إنتاج الاستقرار والتنمية والتعاون المستدام.
وهنا يجب أن يدرك العرب أن غياب المشروع العربي الاقتصادي المتكامل يترك المجال مفتوحاً أمام الآخرين لرسم خرائط المصالح، فيما تظل المنطقة غنية بمواردها وموقعها وأسواقها وطاقاتها البشرية.
الأردن ليس ساحة للمشاريع
في خضم هذا التنافس، يمتلك الأردن فرصة استراتيجية لا يجوز اختزالها في موقعه الجغرافي. فهو حلقة وصل بين المشرق العربي والخليج، ويمتلك علاقات متوازنة مع القوى الدولية، ومؤسسات دولة قادرة على بناء شراكات متعددة الاتجاهات.
لكن الموقع لا يصنع القوة وحده؛ بل تصنعها القدرة على تحويل الجغرافيا إلى اقتصاد، والاستقرار إلى استثمار، والعلاقات الدولية إلى فرص إنتاج وتشغيل ونقل للتكنولوجيا.
ومن هنا تبرز أهمية المشاريع الوطنية الكبرى في المياه والطاقة والنقل والبنية التحتية، وضرورة تسريع تنفيذها، وتعزيز قدرة الاقتصاد الأردني على الاندماج في الممرات التجارية الإقليمية والدولية.
إن المصلحة الأردنية لا تقتضي الانحياز إلى محور على حساب آخر، بل تنويع الشراكات مع الصين والهند والولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، وفق حسابات المصالح الوطنية، وبما يحفظ استقلال القرار والسيادة ويعزز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات.
وهذا هو المعنى الاستراتيجي لخطاب العرش عندما وضع التنمية والأمن والمياه ومصلحة المواطن في سياق واحد؛ فالدولة التي لا تؤمن مواردها ولا تبني اقتصادها ولا تحصن جبهتها الداخلية تصبح أكثر تعرضاً للضغوط الخارجية.
وسط كل هذه المشاريع والممرات والتحالفات، تبقى القضية الفلسطينية معياراً حقيقياً لأي حديث عن استقرار الشرق الأوسط.
فلا يمكن بناء سلام مستدام على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، ولا يمكن لمشاريع التكامل الاقتصادي أن تتجاوز حقيقة الاحتلال والاعتداءات المتواصلة في غزة والضفة الغربية والقدس.
أكد جلالة الملك بوضوح أن الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحققا دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه، وهو موقف يرتبط بالثوابت الأردنية والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ورفض التهجير والتوطين والوطن البديل، والتمسك بحل الدولتين.
إنها رسالة سياسية واضحة بأن الأردن لايقرر مواقفه بحسابات المصالح الآنية وحدها، بل بمرجعية تاريخية وقانونية وأخلاقية، وأن أي تسوية إقليمية تتجاهل الحقوق الفلسطينية ستبقى معرضة لإعادة إنتاج الصراع.
الأمن الوطني يبدأ من وحدة الجبهة الداخلية
ولم يغفل خطاب العرش التحديات الأمنية العابرة للحدود، وخطر الإرهاب والفكر التكفيري، وما يمثله من تهديد للدولة الوطنية ومؤسساتها ومجتمعاتها.
إن الإشارة الملكية إلى شهداء الكرك تحمل دلالة وطنية وأمنية عميقة؛ فالإرهاب لا يستهدف الضحايا وحدهم، بل يستهدف فكرة الدولة ووحدة المجتمع وسيادة القانون.
وهنا تتجلى أهمية القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية، التي تشكل سياجاً للوطن، وتتحمل مسؤولية حماية حدوده ومقدراته، إلى جانب ضرورة تحصين المجتمع فكرياً وثقافياً وإعلامياً، وتجفيف منابع التطرف والتجنيد والكراهية.
ولعل الرهان الملكي على وعي الأردنيين وحكمتهم وتماسكهم يمثل أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية للدولة؛ فالجبهة الداخلية ليست مجرد مفهوم سياسي، بل ركيزة أساسية في معادلة الردع والاستقرار.
رؤية تمتد إلى المستقبل
إن ما يلفت الانتباه في خطاب العرش هو الربط بين ثوابت الدولة ومتطلبات المستقبل.
فالأردن لا يستطيع الاكتفاء بحماية ما أنجزه، بل عليه أن ينتقل إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجية، وإدارة أكثر كفاءة، ومؤسسات أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
كما أن التأكيد على سيادة القانون ومحاسبة من يسيء استخدام الوظيفة العامة يمثل رسالة بأن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدراتها الأمنية والعسكرية، وإنما أيضاً بعدالة مؤسساتها وثقة مواطنيها بها.
إن الرؤية الهاشمية، عبر أجيالها، لم تكن مشروعاً للتموضع في صراعات الآخرين، بل مشروعاً لحماية الأردن وإبقائه حاضراً في قضايا أمته، مع امتلاك القدرة على التعامل مع التحولات الدولية دون التفريط بالثوابت.
وهذه هي مسؤولية الحاضر واستحقاق المستقبل؛ أن يبقى الأردن قادراً على قراءة خرائط العالم، وأن يحول موقعه إلى فرصة، واستقراره إلى قوة اقتصادية، وعلاقاته إلى شراكات، وثوابته إلى سياسة عملية تحمي مصالحه وحقوق أمته.
لربما تتغير التحالفات، وتتبدل خرائط النفوذ، وتتسابق القوى الكبرى على الممرات والأسواق، لكن الأردن مطالب بأن يبقى سيد قراره، محصناً بجبهته الداخلية، قوياً بمؤسساته، وفياً لعروبته وقضاياه العادلة.
فالدول لا تحمي مستقبلها بالشعارات وحدها، بل بوضوح الرؤية، وقوة المؤسسات، واستقلال القرار، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. وهذا هو الرهان الأردني في زمن تصادم المشاريع.
في هذا المشهد المضطرب، جاء خطاب العرش السامي في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين ليؤكد أن الأردن لا يتعامل مع التحولات من موقع رد الفعل، بل من منطلق رؤية استراتيجية ثابتة، تعرف مصالح الدولة، وتدرك مسؤولياتها العربية، وتتمسك بثوابتها مهما اشتدت العواصف.
إن قراءة الخطاب بعمق تكشف امتداد مدرسة سياسية هاشمية تشكلت عبر عقود؛ مدرسة بدأت بتأسيس الدولة وترسيخ مؤسساتها، واستمرت في حماية استقلال قرارها الوطني، وتواجه اليوم تحديات غير مسبوقة في عالم تتغير فيه أدوات القوة، وتتسابق فيه الدول على رسم خرائط النفوذ والمصالح.
منذ تأسيس الدولة الأردنية، لم تكن الجغرافيا الأردنية بعيدة عن صراعات الإقليم، بل وضعت الأردن في قلب معادلات سياسية وأمنية معقدة. ومع ذلك، ظل الموقف الأردني قائماً على معادلة واضحة: حماية الدولة، وصون السيادة، والحفاظ على الاستقرار، والوقوف إلى جانب القضايا العربية العادلة، وفي مقدمتها فلسطين والقدس.
واليوم، تتجدد هذه المعادلة في ظل تصادم المشروعين الإسرائيلي والإيراني، بما يحمله ذلك من مخاطر على أمن المنطقة واستقرارها، ومن احتمالات لتوسيع دوائر المواجهة وتداعياتها على الدول المجاورة والممرات الحيوية والاقتصادات الوطنية.
فإسرائيل تعمل على إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، وتوسيع حضورها الأمني والاقتصادي، بينما تستند إيران إلى شبكة من التحالفات والنفوذ الإقليمي وأدوات الردع. وبين المشروعين، تجد المنطقة نفسها أمام صراع لا تقتصر نتائجه على الميدان العسكري، بل تمتد إلى خرائط الطاقة والتجارة والأمن الغذائي والمائي.
لكن الأخطر أن تتحول الدول العربية إلى ساحات لتصفية الحسابات، أو أن تصبح جغرافيتها وأراضيها ومقدراتها أدوات في مشاريع لا تصنع مصالح شعوبها.
المعركة لم تعد عسكرية فقط
ما يحدث في الشرق الأوسط لا يمكن فهمه من خلال الصراعات العسكرية وحدها؛ فهناك سباق عالمي موازٍ على الممرات الاقتصادية وسلاسل الإمداد ومصادر الطاقة والأسواق الجديدة.
الصين تمضي في مبادرة الحزام والطريق، باعتبارها مشروعاً واسعاً للترابط التجاري والاقتصادي، يمتد عبر آسيا والشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا، ويستهدف تعزيز شبكات النقل والتجارة والاستثمار والبنية التحتية.
وفي المقابل، تطرح الهند، بالشراكة مع الولايات المتحدة ودول أوروبية وخليجية، مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي الأوروبي، الذي يستهدف ربط الهند بالخليج وأوروبا عبر منظومة من الموانئ والسكك الحديدية والطاقة والاتصالات.
إننا أمام تنافس على من يمتلك طرق التجارة في المستقبل، ومن يتحكم في تدفقات الطاقة والسلع، ومن يستطيع تحويل موقعه الجغرافي إلى قيمة اقتصادية ونفوذ سياسي.
أما الولايات المتحدة، فرغم حضورها العسكري والاقتصادي والدبلوماسي الواسع، فإن المنطقة ما زالت بحاجة إلى رؤية أمريكية اقتصادية وسياسية متكاملة، تتجاوز إدارة الأزمات وموازين الهيمنة، نحو بناء بيئة إقليمية قادرة على إنتاج الاستقرار والتنمية والتعاون المستدام.
وهنا يجب أن يدرك العرب أن غياب المشروع العربي الاقتصادي المتكامل يترك المجال مفتوحاً أمام الآخرين لرسم خرائط المصالح، فيما تظل المنطقة غنية بمواردها وموقعها وأسواقها وطاقاتها البشرية.
الأردن ليس ساحة للمشاريع
في خضم هذا التنافس، يمتلك الأردن فرصة استراتيجية لا يجوز اختزالها في موقعه الجغرافي. فهو حلقة وصل بين المشرق العربي والخليج، ويمتلك علاقات متوازنة مع القوى الدولية، ومؤسسات دولة قادرة على بناء شراكات متعددة الاتجاهات.
لكن الموقع لا يصنع القوة وحده؛ بل تصنعها القدرة على تحويل الجغرافيا إلى اقتصاد، والاستقرار إلى استثمار، والعلاقات الدولية إلى فرص إنتاج وتشغيل ونقل للتكنولوجيا.
ومن هنا تبرز أهمية المشاريع الوطنية الكبرى في المياه والطاقة والنقل والبنية التحتية، وضرورة تسريع تنفيذها، وتعزيز قدرة الاقتصاد الأردني على الاندماج في الممرات التجارية الإقليمية والدولية.
إن المصلحة الأردنية لا تقتضي الانحياز إلى محور على حساب آخر، بل تنويع الشراكات مع الصين والهند والولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، وفق حسابات المصالح الوطنية، وبما يحفظ استقلال القرار والسيادة ويعزز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات.
وهذا هو المعنى الاستراتيجي لخطاب العرش عندما وضع التنمية والأمن والمياه ومصلحة المواطن في سياق واحد؛ فالدولة التي لا تؤمن مواردها ولا تبني اقتصادها ولا تحصن جبهتها الداخلية تصبح أكثر تعرضاً للضغوط الخارجية.
وسط كل هذه المشاريع والممرات والتحالفات، تبقى القضية الفلسطينية معياراً حقيقياً لأي حديث عن استقرار الشرق الأوسط.
فلا يمكن بناء سلام مستدام على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، ولا يمكن لمشاريع التكامل الاقتصادي أن تتجاوز حقيقة الاحتلال والاعتداءات المتواصلة في غزة والضفة الغربية والقدس.
أكد جلالة الملك بوضوح أن الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحققا دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه، وهو موقف يرتبط بالثوابت الأردنية والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ورفض التهجير والتوطين والوطن البديل، والتمسك بحل الدولتين.
إنها رسالة سياسية واضحة بأن الأردن لايقرر مواقفه بحسابات المصالح الآنية وحدها، بل بمرجعية تاريخية وقانونية وأخلاقية، وأن أي تسوية إقليمية تتجاهل الحقوق الفلسطينية ستبقى معرضة لإعادة إنتاج الصراع.
الأمن الوطني يبدأ من وحدة الجبهة الداخلية
ولم يغفل خطاب العرش التحديات الأمنية العابرة للحدود، وخطر الإرهاب والفكر التكفيري، وما يمثله من تهديد للدولة الوطنية ومؤسساتها ومجتمعاتها.
إن الإشارة الملكية إلى شهداء الكرك تحمل دلالة وطنية وأمنية عميقة؛ فالإرهاب لا يستهدف الضحايا وحدهم، بل يستهدف فكرة الدولة ووحدة المجتمع وسيادة القانون.
وهنا تتجلى أهمية القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية، التي تشكل سياجاً للوطن، وتتحمل مسؤولية حماية حدوده ومقدراته، إلى جانب ضرورة تحصين المجتمع فكرياً وثقافياً وإعلامياً، وتجفيف منابع التطرف والتجنيد والكراهية.
ولعل الرهان الملكي على وعي الأردنيين وحكمتهم وتماسكهم يمثل أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية للدولة؛ فالجبهة الداخلية ليست مجرد مفهوم سياسي، بل ركيزة أساسية في معادلة الردع والاستقرار.
رؤية تمتد إلى المستقبل
إن ما يلفت الانتباه في خطاب العرش هو الربط بين ثوابت الدولة ومتطلبات المستقبل.
فالأردن لا يستطيع الاكتفاء بحماية ما أنجزه، بل عليه أن ينتقل إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجية، وإدارة أكثر كفاءة، ومؤسسات أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
كما أن التأكيد على سيادة القانون ومحاسبة من يسيء استخدام الوظيفة العامة يمثل رسالة بأن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدراتها الأمنية والعسكرية، وإنما أيضاً بعدالة مؤسساتها وثقة مواطنيها بها.
إن الرؤية الهاشمية، عبر أجيالها، لم تكن مشروعاً للتموضع في صراعات الآخرين، بل مشروعاً لحماية الأردن وإبقائه حاضراً في قضايا أمته، مع امتلاك القدرة على التعامل مع التحولات الدولية دون التفريط بالثوابت.
وهذه هي مسؤولية الحاضر واستحقاق المستقبل؛ أن يبقى الأردن قادراً على قراءة خرائط العالم، وأن يحول موقعه إلى فرصة، واستقراره إلى قوة اقتصادية، وعلاقاته إلى شراكات، وثوابته إلى سياسة عملية تحمي مصالحه وحقوق أمته.
لربما تتغير التحالفات، وتتبدل خرائط النفوذ، وتتسابق القوى الكبرى على الممرات والأسواق، لكن الأردن مطالب بأن يبقى سيد قراره، محصناً بجبهته الداخلية، قوياً بمؤسساته، وفياً لعروبته وقضاياه العادلة.
فالدول لا تحمي مستقبلها بالشعارات وحدها، بل بوضوح الرؤية، وقوة المؤسسات، واستقلال القرار، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. وهذا هو الرهان الأردني في زمن تصادم المشاريع.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات