محمد مطلب المجالي يكتب: الإرهاب لا دين له ولا عشيرة تحمله… ووحدتنا عصية على الفتنة

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 23183
محمد مطلب المجالي يكتب: الإرهاب لا دين له ولا عشيرة تحمله… ووحدتنا عصية على الفتنة
محمد مطلب المجالي

محمد مطلب المجالي

الإرهاب لا يُنسب إلى دين، ولا يُحمَّل وزره لعشيرة أو جماعة بأكملها؛ بل يتحمل مسؤوليته مرتكبوه، ومن تثبت صلتهم بالتخطيط له أو تمويله أو التحريض عليه، وفق الأدلة والإجراءات القانونية. فالجريمة مسؤولية أصحابها، ولا يجوز أن تتحول إلى وصمة تطارد الأبرياء بسبب اسم العائلة أو الانتماء الديني أو الاجتماعي.

إن أخطر ما في هذه الجماعات أنها تمر على الدين مرورًا عابرًا، وتأخذ من النصوص ما يخدم أهواءها، وتترك ما يرسخه الدين من رحمة وعدل وصون للنفس البشرية. إنها جماعات يشوّه فكرها الظلامي صورة الإسلام، وينسب إليه ما ليس فيه، مع أن الإسلام دين السماحة والفضيلة، ودعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالإكراه والتكفير وسفك الدماء. قال تعالى: **﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾**.

إن هذه الجماعات تنتزع النصوص من سياقاتها، وتفسرها وفق أهوائها، وتقدم تأويلاتها الخاصة وكأنها الحقيقة المطلقة، لتبرر القتل وتستبيح الدماء وتكفّر من يخالفها. وما هكذا يُفهم الدين، ولا هكذا تُبنى العقائد، ولا هكذا تُصان المجتمعات. فالإسلام أوسع من أن تحاصره عقول ضيقة، وأسمى من أن يكون غطاءً للأحقاد والكراهية والإقصاء. وليس كل من رفع شعار الدين فهم مقاصده، ولا كل من استشهد بنص امتلك حق تفسيره على هواه؛ فالتكفير ليس دليل إيمان، وسفك الدماء ليس برهانًا على الغيرة على العقيدة.

لكن السؤال الذي يجب ألا يغيب عن أذهاننا: هل تقف هذه الجماعات عند حدود أفرادها، أم أن هناك جهات تستغلها أو تدعمها أو توظفها لخدمة أجندات تتجاوز حدود الأوطان؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تحقيقات جادة وأدلة موثوقة تكشف حقيقة كل من يخطط أو يمول أو يحرض، داخل الحدود أو خارجها. فلا يجوز أن تبقى أي شبهة دون تحقيق، ولا أن تتحول الاتهامات إلى حقائق قبل إثباتها.

وفي جريمة حمود، كما في كل جريمة تستهدف الأبرياء، لا ينبغي أن يتوقف التحقيق عند المنفذين إذا كشفت الأدلة عن أطراف أخرى شاركت في التخطيط أو التحريض أو التمويل. فالعدالة تقتضي كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، مهما كان موقعه أو دوره.

أما مقترفو هذه الجريمة، فهم يمثلون أنفسهم وفكرهم المنحرف، ومن تثبت الأدلة أنه حرّضهم أو موّلهم أو أسهم في تضليلهم. لقد اختاروا طريق الجريمة، وعليهم أن يتحملوا تبعات أفعالهم أمام العدالة، فيما تبقى دماء الأبرياء شاهدة على فداحة ما اقترفوه. ومن يزرع الكراهية والتكفير ويحرض على العنف، لا يستطيع التنصل من مسؤوليته متى ثبت دوره. وسيواجه الجناة مصيرهم وفق أحكام القانون، ولن تمحو جريمتهم مكانة الشهداء في ذاكرة الوطن.

وفي المقابل، فإن تحميل عشيرة الجاني أو محيطه الاجتماعي مسؤولية فعل لم يرتكبوه ظلم آخر، يفتح أبواب الثأر ويهدد السلم الأهلي. فالعشائر الأردنية جزء أصيل من نسيج الوطن، ولا يجوز اختزال تاريخها ومواقفها في جريمة ارتكبها أفراد. المسؤولية فردية، والمحاسبة قانونية، والعدالة لا تعرف التعميم أو الانتقام.
أما نسيجنا الاجتماعي ولحمتنا الوطنية، فلن ينال منهما أحد، ولن تنجح محاولات زرع الفرقة بين الأشقاء والأحبة. فجريمة حمود فاجعة حلّت بالجميع، وخسارة طالت أبناء الكرك والوطن كله، وأبكت كل حرّ وأدمت قلب كل شريف. مصابنا واحد، ووجعنا واحد، ودماء الشهداء وجع أردني لا تفرّق فيه الجغرافيا ولا الأصول ولا الانتماءات.
لن نسمح لمن يسعى إلى استغلال هذه الفاجعة لبث الفتنة وشق الصف أن يحقق غايته؛ فالكرك واحدة بأبنائها، والأردن واحد بوحدة شعبه، ومرجعيتنا الوطنية الراسخة هي قيادتنا الهاشمية. سنبقى إخوة متكاتفين، نحفظ حرمة الدم، ونصون كرامة الإنسان، ونقف مع العدالة في محاسبة الجناة، دون تعميم أو ظلم أو انتقام.
إن مواجهة الإرهاب تبدأ بتجفيف منابع الفكر التكفيري، ومواجهة الخطاب الذي يشرعن الكراهية، وتعزيز الفهم الصحيح للدين، وملاحقة كل من تثبت صلته بالتحريض أو التمويل، وترسيخ هيبة القانون. فالمعركة ليست مع عشيرة أو دين أو جماعة اجتماعية، بل مع الجريمة والفكر الذي يبررها، وكل من يسهم في نشره أو تحويله إلى عنف.
لقد كشفت جريمة حمود أن الخطر لا يكمن في السلاح وحده، بل في الفكرة التي تمنح صاحب السلاح وهم امتلاك الحق في إزهاق أرواح الآخرين. وحين يتحول الاختلاف إلى تكفير، والتكفير إلى استباحة للدم، يصبح واجبنا مواجهة هذا الفكر بالحجة والعلم والعدالة والقانون.
الإرهاب لا يمثل دينًا، ولا عشيرة، ولا وطنًا؛ إنه يمثل أصحابه ومن تثبت بالأدلة مسؤوليتهم عن دعمه أو توجيهه.** والوفاء للشهداء لا يكون بالكلمات وحدها، بل بكشف الحقيقة، ومحاسبة الجناة، وحماية المجتمع من تكرار الجريمة، وصون وحدة الأردنيين من كل محاولات الفتنة.
حمود ليست قضية عشيرة وحدها، بل قضية وطن بأكمله. وستبقى دماء الشهداء أمانة في أعناقنا، وذكراهم حاضرة في وجدان الكرك والأردن، فيما ستظل وحدتنا الوطنية أقوى من كل محاولات التفرقة، وسيبقى القانون والعدالة طريقنا إلى حماية الوطن وأبنائه.
الكرك واحدة بأبنائها… والأردن عصيّ على الفتنة، ومرجعيتنا هاشمية، ووحدتنا الوطنية عهد لا ينكسر.

محمد مطلب المجالي

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم