أ.د. هيثم علي حجازي يكتب: يا كرك .. كيف نواسي قلبك؟

منذ 48 دقيقة
المشاهدات : 21009
أ.د. هيثم علي حجازي يكتب: يا كرك ..  كيف نواسي قلبك؟
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

كيف يمكن للإنسان أنْ يكتب عن وجع الكرك دون أنْ ترتجف الكلمات بين يديه. وكيف يمكن لقلب أنْ يحتمل صورة أناس خرجوا من بيوتهم ليودّعوا عزيزاً رحل عن الدنيا، فإذا بهم يرحلون معه، تاركين وراءهم أهلا وأحبة لم يكونوا يتخيلون أنّ ذلك اليوم سيصبح أكثر أيام حياتهم حزنا وألما.

ما أقسى أن يتحول الوداع إلى وداعات، وأن تذهب لتواسي أهل فقيد، فيصبح أهلك بعد ساعات بحاجة إلى مَن يواسيهم فيك. وما أقسى أنْ يخرج الإنسان مِن بيته مطمئنا، وقد يكون آخر ما قاله لأهله كلمة عابرة، أو وعدا بالعودة، ثم لا يعود أبدا.


أفكر في أمهات الشهداء، في تلك القلوب التي لا تعرف كيف تستوعب أنّ أبناءها لن يعودوا. أفكر في زوجة تنتظر أنْ يُفتح باب البيت، وفي طفل قد يظل يسأل عن أبيه، وفي أب يحاول أنْ يتماسك أمام الناس، ثم يختلي بنفسه ليبكي ابناً كان يظن أنه سيحمل نعشه يوماً، فإذا به يحمل نعش ابنه. أفكر في المقاعد التي ستبقى فارغة، وفي الأصوات التي اعتادت البيوت سماعها، وفي المناسبات القادمة حين يلتفت الأحبة بحثا عن وجوه لن يجدوها. تلك هي المأساة الحقيقية التي لا تستطيع نشرات الأخبار أنْ تنقلها، ولا تستطيع الكلمات، مهما بلغت بلاغتها، أنْ تصفها.

يا كرك، يا مدينة أحببناها دون أنْ نسكنها، وعرفنا طيبة أهلها قبل أنْ نعرف طرقاتها، ماذا نقول لك اليوم؟ هل نقول إننا حزينون؟ الحزن كلمة صغيرة أمام ما أصابك. هل نقول إننا نتألم؟ الألم الذي نشعر به لا يساوي شيئاً أمام قلب أم فقدت ابنها، أو زوجة فقدت شريك عمرها، أو طفل حُرم من حضن أبيه. نقف أمام حزنك عاجزين، لا نملك سوى قلوبنا ودعواتنا، ودموع نحاول أنْ نخفيها فلا نستطيع.
ما يزيد الوجع وجعا أنّ هؤلاء الأبرياء لم يذهبوا إلى معركة، ولم يخرجوا بحثا عن خصومة، بل ذهبوا ليؤدوا واجب المحبة والوفاء، وليقفوا إلى جانب أهل فقدوا عزيزا. كانوا في مكان يُفترض أنْ يجد فيه الإنسان السكينة والسلام، فإذا بالموت يأتيهم مِن حيث لا يتوقعون. أي قلب يستطيع أنْ يرتكب كل هذا؟ وأي ظلام يمكن أنْ يسكن روح إنسان حتى يرى في دموع الآخرين فرصة لإراقة المزيد من الدماء؟ هي جريمة أبشع مِن أنْ تُفهم، وأقسى مِن أنْ تُنسى.
في ظل هذا الحزن الثقيل، لا حديث عن مسلم ومسيحي، لأننا لم نعرف الأردن يوما بهذه القسمة. لقد عرفناه بيتا واحدا، إذا حَزِنَ أهلُه حَزِنّا جميعا، وإذا فَقَدَ أحدهم عزيزا شعر الآخرون أنّ شيئاً منهم قد رحل معه. في الكرك لم يكن السؤال يوماً: إلى أي دين ينتمي الجار؟ بل كان السؤال: هل يحتاج جارنا إلى شيء؟ ... لهذا فإن الدم الذي سال في حمود لم يجرح عائلة بعينها أو طائفة بعينها، بل جرحنا جميعا، وترك في قلب كل أردني شيئا من الحزن الذي سيظل يرافقه طويلا.
كيف ستكون الأيام المقبلة على أهل الشهداء؟ سيغادر المعزون بعد حين، وتنتهي مراسم الوداع، وتعود الحياة من حولهم إلى إيقاعها المعتاد، لكن ماذا عن البيوت التي فقدت أصحابها؟ من يواسي أُمّاً حين تستيقظ صباحاً وتتذكر أنّ ابنها لن يأتي؟ ومَن يخفف وحشة بيت حين يحل المساء ويغيب صوت اعتاد أنْ يملأ أرجاءه؟ ... أصعب ما في الفقد ليس لحظة الرحيل وحدها، بل ذلك الغياب الذي يتجدد في التفاصيل الصغيرة، حين يصبح كل شيء في البيت تذكارا، وكل زاوية حكاية، وكل مناسبة وجعا جديدا.
يا أهلنا في الكرك، قد لا نعرف شهداءكم واحدا واحدا، ولم نجلس معهم، ولم نسمع أصواتهم، لكننا نشعر اليوم أنهم منا، وأنّ شيئا عزيزا قد انتُزع مِن قلوبنا. لا نملك أنْ نخفف مصابكم بالكلمات، ولكننا نريدكم أنْ تعرفوا أنكم لستم وحدكم، وأنّ حزنا بهذا الحجم لا يجوز أنْ تحمله عائلات الشهداء وحدها. سنظل نتذكرهم، ليس لأنهم ضحايا جريمة بشعة فحسب، بل لأنهم أناس كانت لهم حياة تستحق أنْ تستمر، وأحلام تستحق أنْ تتحقق، وقلوب كانت تستحق أنْ تنبض سنوات طويلة أخرى.
أما أولئك الذين رحلوا، فليتهم يعلمون كم مِن القلوب بكتهم، وكم مِن العيون اغرورقت بالدموع مِن أجلهم، وكم مِن إنسان لم يعرفهم شعر وكأنه فقد قريبا أو صديقا. وليتهم يعلمون أنّ حزن أهلهم قد أصبح حزن وطن بأكمله، وأنّ أسماءهم لن تبقى مجرد خبر قرأناه ثم مضينا، بل ستظل تذكرنا بقسوة الإنسان حين يفقد إنسانيته، وبقيمة الحياة التي قد تنتهي في لحظة لا يتوقعها أحد.
يا كرك، سامحينا إنْ عجزنا عن مواساتك، فبعض الأحزان أكبر مِن الكلمات، وبعض الجراح لا تداويها العبارات. وسامحينا إنْ لم نجد ما نقوله لأمهات الشهداء وآبائهم وزوجاتهم وأطفالهم، فماذا يمكن أنْ يقال لمن فقد قطعة من روحه؟ رحم الله مَن رحلوا، وربط على قلوب مَن بقوا، وشفى الجرحى، وأعاد الطمأنينة إلى بيوت أنهكها الحزن.
ويا رب، لا تجعل أُمّاً أردنية تنتظر عند الباب ابنا لن يعود، ولا تجعل طفلا ينام وفي قلبه سؤال عن أب غاب إلى الأبد، ولا تجعل في هذا الوطن بيتا يطفئ أنوارَه الحزنُ مرة أخرى.
سلامٌ على أرواحكم يا شهداء الكرك، وسلامٌ على قلوب أحبتكم المكسورة ... أما نحن، فسيبقى في قلوبنا وجع اسمه الكرك.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم