الدكتور بكر الشوابكة يكتب: بين انحراف الجريمة ونبل الدين تبقى الكرك عنوانا للأخوة والأردن حصنا للوحدة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 14451
الدكتور بكر الشوابكة يكتب: بين انحراف الجريمة ونبل الدين تبقى الكرك عنوانا للأخوة والأردن حصنا للوحدة
الدكتور بكر الشوابكة

الدكتور بكر الشوابكة

ليست كل جريمة تنتهي بانتهاء فعلها فبعض الجرائم تترك خلفها أسئلة أكبر من حدود المكان الذي وقعت فيه وتضع الضمير الإنساني أمام اختبار حقيقي بين ما نؤمن به من قيم وما نراه من أفعال تناقضها.

وما حدث في كنيسة حمود في الكرك ليس مجرد حادثة تستوجب الإدانة والمحاسبة بل هو جرح يمس إنسانيتنا جميعا ويستدعي منا أن نتمسك بحقيقة لا ينبغي أن تغيب عنا وهي أن حرمة الدم لا تتجزأ باختلاف الدين وأن دور العبادة وجدت للعبادة لا لتكون موضعا للخوف والاعتداء.

ومن هنا فإن الحديث عن هذه الجريمة لا ينبغي أن يتوقف عند إدانة مرتكبيها فحسب بل يجب أن يمتد إلى سؤال أعمق هل فهم الذين يرتكبون الجرائم باسم الدين حقيقة الدين والغاية التي جاء من أجلها أم أنهم اتخذوا من اسمه ستارا لأفعال تناقض جوهره وقيمه
إن من يفهم الإسلام فهما صحيحا ويدرك مقاصده القائمة على العدل والرحمة وصون النفس البشرية واحترام الحقوق لا يمكن أن يتخذ من تعاليمه مبررا لقتل الأبرياء أو ترويع الآمنين أو الاعتداء على دور العبادة فالدين الذي جاء ليهذب النفس ويضبط السلوك ويقيم العدل لا يمكن أن يكون غطاء لهدم القيم التي يدعو إليها
ولو أن كل من ارتكب جريمة باسم الدين فهم حقيقة الدين والغاية الأخلاقية التي جاء لتحقيقها لما اتخذ منه ذريعة للقتل أو الظلم أو الانتقام فالمشكلة ليست في رفع الشعارات الدينية بل في الفهم المنحرف الذي يفصل النصوص عن مقاصدها ويجعل الدين وسيلة لتبرير الأهواء بدلا من أن يكون مرجعا لضبط السلوك ومحاسبة النفس
ولو أخذنا هذا المنطق إلى نهايته لوجدنا أن بيننا أشخاصا ينتسبون إلى الإسلام ويحملون اسمه لكنهم ارتكبوا جرائم بحق أقرب الناس إليهم فمنهم من قتل أمه أو أخته أو أخاه أو حتى ابنه وقد تقع مثل هذه الجرائم في الكرك أو في أي منطقة أخرى فهل يعني ذلك أن الإسلام يقبل هذه الأفعال أو أن مرتكبيها يمثلون تعاليمه بالطبع لا فليس كل من حمل اسم مسلم أصبح ممثلا للإسلام وليس كل من انتسب إلى دين التزم بقيمه ومبادئه وكما أن قتل الإنسان لأمه أو أخيه أو ابنه لا يجعل جريمته دليلا على تعاليم الإسلام فإن ارتكاب شخص مسلم جريمة بحق مسيحي أو الاعتداء على كنيسة لا يجعل من جريمته تعبيرا عن حقيقة هذا الدين بل يكشف عن انحراف مرتكبها عن القيم التي جاء الدين لترسيخها فالمجرم يمثل نفسه ويتحمل مسؤولية فعله ولا يجوز أن نحاكم دينا كاملا بأفعال من خالفوا تعاليمه
وقد قدم تاريخنا الإسلامي نماذج تؤكد قيمة العدل واحترام الآخر ويأتي موقف الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند دخوله القدس وما ارتبط به من معاني الأمان واحترام الحقوق شاهدا على أن العدل ليس شعارا عابرا بل مسؤولية في التعامل مع الإنسان أيا كان معتقده
ولعل ما حدث يجب ألا يكون مناسبة للإدانة وحدها بل فرصة لنا جميعا لنعود إلى ديننا ونراجع فهمنا له ونتأمل الغاية التي أرادها الله من هدايته للبشر فالدين لم يأت ليكون سببا للخوف والعداء ولا وسيلة لتبرير العنف والاعتداء بل جاء ليهدي الإنسان إلى الحق ويضبط علاقته بربه وبنفسه وبالآخرين ويقيم حياته على العدل والرحمة وصون الكرامة الإنسانية
إن حاجتنا اليوم ليست إلى مزيد من الشعارات الدينية بقدر حاجتنا إلى فهم الدين فهما صحيحا يستند إلى القرآن الكريم والسنة النبوية ويدرك مقاصده ويترجمها إلى سلوك وأخلاق ومواقف فحين نفهم الدين في غاياته الحقيقية ندرك أن اختلاف المعتقد لا يسقط حق الإنسان في الأمن والكرامة وأن الإيمان لا ينفصل عن العدل وأن التدين الحقيقي يظهر في الرحمة واحترام الآخرين
وفي الأردن فإن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين ليست علاقة طارئة بل تاريخ من الأخوة والجيرة والمشاركة في الأفراح والأتراح والانتماء إلى وطن واحد فالمواطنة لا تتجزأ وكرامة الإنسان وحقه في الأمن والعبادة لا يتوقفان على دينه
إن واجبنا اليوم أن ندين الجريمة بوضوح وأن نطالب بمحاسبة مرتكبيها وأن نرفض تعميم الاتهام على المسلمين أو استغلال الحادثة لإثارة الكراهية والفرقة فلا يجوز لأحد أن يستغل الجريمة للطعن في الإسلام كما لا يجوز لأحد أن يستغل الإسلام لتبرير الجريمة
إن الكرك أكبر من الجريمة والأردن أكبر من الفتنة لأن ما يجمع الأردنيين أعمق من أن تهزه أفعال المجرمين ولأن قوة وطننا تكمن في احترام أبنائه بعضهم لبعض وتمسكهم بوحدتهم الوطنية
فالدين لا يقاس بما يرتكبه المنحرفون باسمه بل بما يدعو إليه من قيم والإنسان لا يثبت صدق إيمانه بما يرفعه من شعارات بل بما يقدمه من عدل ورحمة واحترام لكرامة الآخرين
حمى الله الأردن وأهله وحفظ وحدته الوطنية وأدام على أبنائه نعمة الأمن والسلام والرحمة والمغفرة لمن ارتقت أرواحهم إلى خالقها وأنزلهم منازل رحمته وألهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان وحفظ وطننا من كل سوء وفتنة وجعل المحبة والأخوة والسلام عنوانا يجمع أبناءه على الدوام.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم