فيصل تايه يكتب: ما بعد الكرك .. الامتحان الذي يبدأ بعد انطفاء الغضب

منذ 57 دقيقة
المشاهدات : 9408
فيصل تايه يكتب: ما بعد الكرك  ..  الامتحان الذي يبدأ بعد انطفاء الغضب
فيصل تايه

فيصل تايه

تركت حادثة الكرك الأليمة واستباحة حرمة الموت برصاصات الغدر في تلك اللحظة التي كان يجب أن تكون للوداع والسكينة، جرحاً غائراً في ضمير الوطن لا تمحوه بيانات العزاء ولا العابرون من الكلام .

غير أن الامتحان المصيري الذي يواجه الدولة والأردنيين جميعاً اليوم يكمن في السؤال الحارق: ماذا نحن فاعلون بعد أن تخفّ حرارة الغضب وتعود الحياة تدريجياً إلى شوارعها؟

إن هذه الفاجعة لا يجوز أن تُطوى كصفحةٍ ينتهي أثرها بانتهاء المراسم، بل يجب أن تشكل لحظة مفاصلة حقيقية ننتقل فيها من ردات الفعل الانفعالية إلى بناء حائط صدّ وطني صلب يمنع من يراهن على نسيان الدم من العثور على ثغرة في جدارنا المنيع.

​في الكرك، لم يكن الألم محصوراً في مكان الجريمة أو في أسماء الضحايا، بل تجسّد في ذلك السؤال المشتعل الذي يفرض نفسه على كل أردني: كيف نحمي مجتمعنا من أن يصل الفكر المتطرف إلى هذه الدرجة من العنف؟ وكيف نضمن أن تكون هذه المأساة نقطة مراجعة حقيقية، لا مجرد حدث عابر في ذاكرة الأخبار؟

لقد أدان الأردنيون الجريمة وعبّروا عن تضامنهم الأصيل، غير أن التضامن على أهميته ليس نهاية المسؤولية، بل بدايتها؛ فبعد هذه الفاجعة الكبرى لا يكفي أن نسأل من ارتكبها، بل ينبغي أن نسأل كيف نمنع تكرارها.

وهذا السؤال لا يعني استباق التحقيقات ولا التشكيك في المؤسسات الامنية ، بل يعني أن حماية المجتمع تقتضي الجمع بين العدالة والمراجعة، وبين الحزم الأمني والعمل الوقائي، واحترام حق المجتمع في أن يدرك الدروس والعبر.

​إن مواجهة التطرف لا تبدأ عند لحظة إطلاق رصاصات الغدر ، بل قبل ذلك بكثير؛ في الأفكار التي تبرر الكراهية، والخطابات التي تنزع عن الآخر إنسانيته، والبيئات التي تسمح بتحويل الاختلاف إلى عداوة، وفي كل تقصير يمكن معالجته قبل أن يتحول إلى خطر داهم.

وهنا تبرز مسؤولية تتجاوز الأجهزة الأمنية وحدها لتشمل التعليم والإعلام والأسرة والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني، في بناء وعي يرفض التكفير والعنف دون تعميم ظالم أو تضييق على الحريات.

غير أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق المؤسسات المعنية في تحويل المراجعة إلى إجراءات واضحة وتقييم فاعلية السياسات؛ فالمراجعة الجادة ليست اعترافاً بالفشل، بل دليل على أن الدولة تتعامل مع حياة مواطنيها باعتبارها أولوية لا تقبل المجاملة.

​وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول المأساة إلى مناسبة لتداول الشائعات أو توزيع الاتهامات على أساس الدين أو العشيرة، فالمسؤولية الجنائية فردية، وعدالتنا يجب أن تكون دقيقة بقدر ما هي حازمة لتحمي المجتمع من الجريمة ومن الظلم معاً، وألا نسمح للمجرم بأن يحقق هدفه في زعزعة الثقة أو تمزيق النسيج.

إن وحدة الأردنيين ليست شعاراً يُرفع في لحظة الحزن ثم يترك، بل هي مسؤولية يومية في رفض التحريض وإصرارنا على أن المواطنة وسيادة القانون حقوق لا تتجزأ. ولأن القضية أكبر من ردود الفعل، فإن المطلوب اليوم هو ضمان مراجعة مسؤولة واستخلاص الدروس، فالدولة القوية هي التي تحوّل الحزم إلى حماية مستدامة، والمراجعة إلى إصلاح، والعدالة إلى ثقة.

​ستبقى الكرك في ذاكرة الأردنيين أعمق من الجريمة بتاريخها وأهلها، والوفاء للضحايا لا يتحقق بالحزن وحده بل بأن يصبح منع تكرار المأساة هدفاً وطنياً مستمراً؛ فالامتحان الحقيقي يبدأ في اليوم التالي، حين يصبح واجباً علينا أن نثبت أن ما حدث لن يُقابل بالنسيان، وأن حماية الأردنيين ليست وعداً يُقال في لحظة الغضب، بل مسؤولية تُمارَس كل يوم.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم