سرايا - من قلب الغربة، وبوجع مواطنه أردنية بعيدة عن وطنها، وجّهت ريما حماتي، المقيمة في الولايات المتحدة الأميركية، رسالة مؤثرة إلى جلالة الملك عبدالله الثاني، أبو الحسين، عبّرت فيها عن خوفها على الأردن، وحنينها إلى أيام كانت فيها الحارات الأردنية عنواناً للمحبة والتآخي، لا تسأل فيها البيوت عن ديانة الجيران، بل تتشارك الأفراح والأعياد وأطباق الكعك، وتكبر الطفولة على صوت الأذان ودفء العلاقات الإنسانية.
تروي ريما حكاية طفولتها في حارة أردنية بمحافظة الزرقاء، كان بيت عائلتها المسيحي الوحيد فيها، لكنها لم تشعر يوماً بأنها غريبة عن محيطها؛ فقد تربّت بين إخوة وأخوات من المسلمين، وتعلّمت منذ صغرها أن الجيرة والأخوّة والانتماء للوطن أكبر من أي اختلاف ديني.
تقول في رسالتها، بلهجتها الأردنية التي تختصر حكاية جيل كامل:
«تربّيت أصحى على صوت المؤذن وأنام على صوت المؤذن. طلعت من حارة بعرف فيها إخوان إلي أسماؤهم حسن وفاطمة ويسرى وعمر وأحمد ودرويش. يعني يا سيدي، خلطة غريبة، كوكتيل بنت إسلامية على مسيحية».
وتستعيد ريما مشاهد من طفولتها، حين كانت تساعد جارتها ميسون، ابنة أم حسن، في الوضوء، وتفرش معها سجادة الصلاة، ثم تنتظرها حتى تنتهي لتلعبا معاً. كانت تطلب منها أن تدعو لها بالنجاح في امتحان التوجيهي، في مشهد بسيط، لكنه يحمل معنى عميقاً عن مجتمع لم تكن فيه الاختلافات الدينية حواجز بين الأطفال أو العائلات.
وتتذكر أيضاً مواسم الحج والعمرة، وكيف كانت تنتظر عودة جارتها أم أدهم من السعودية، على أمل أن تحضر لها ماء زمزم والحلوى. وكان والدها، العائد من عمله في الجيش، يتلقى تذكير والدتها بموعد عودة الجيران من الحج، فيبادر إلى تزيين مدخل البيت وقصّ أغصان النخيل استعداداً لاستقبالهم.
أما الأعياد، فكانت حكاية أخرى من حكايات المحبة؛ ففي عيد الميلاد، كانت ريما تحمل صحون الكعك والبيض الملوّن وتوزعها على بيوت الحارة، وفي عيد الأضحى كانت تشارك أبناء الجيران فرحتهم. وحتى شهر رمضان، كان له في بيت عائلتها طقوسه الخاصة، رغم أنهم لم يكونوا صائمين؛ إذ كان والدها يمنع أبناءه من الأكل والشرب احتراماً لجيرانهم الصائمين، فيما كانت والدتها تعدّ سفرة رمضانية تجمعهم في أجواء من الدفء والفرح عند سماع مدفع الإفطار.
وتقول ريما إن أبناء الحارة كانوا إخوة وأخوات، وإن خلافات الأطفال كانت تنتهي أحياناً بتدخل الجارات، اللواتي كنّ يعاملن أبناء الجيران كما يعاملن أبناءهن، من دون تمييز أو حسابات.
لكن الرسالة لا تقف عند حدود الحنين إلى الماضي؛ إذ تحمل وجعاً شخصياً عميقاً، بعدما فقدت ريما شقيقها طلال في الولايات المتحدة قبل شهرين، إثر إصابته بمرض السرطان. وتقول إن والدها أطلق على شقيقها اسم طلال تيمناً باسم والد الملك الراحل الحسين بن طلال، وإن ألم الفقد لم يكن قد هدأ بعد، حتى جاءتها أخبار الهجوم الذي أودى بحياة تسعة شبان أردنيين، وفق ما ورد في رسالتها.
وهنا تنتقل ريما من سرطان الجسد إلى ما تصفه بسرطان أخطر يهدد المجتمع، قائلة إن السرطان الحقيقي الذي تخشاه على وطنها هو «سرطان العنصرية والتطرف والتكفير».
وتحذّر من أن التساهل مع خطاب الكراهية، والانشغال بتصنيف الناس وفق دياناتهم، وتحويل مظاهر التعايش البسيطة إلى أسئلة خلافية حول جواز التهنئة بالأعياد أو التعاطف مع الموتى، كلها مؤشرات تثير القلق على مستقبل المجتمع الأردني، إذا تُركت من دون مواجهة.
وتقول في رسالتها: «يا سيدي أبو حسين، خايفة الفاس توقع بالراس. بشتاق للأردن، بس هلا صرت أخاف أشتاق. خايفة الأردن يقلب أفغانستان، خايفة على حارات بلادي، خايفة على أرضي وهواء بلادي».
وتناشد ريما جلالة الملك أن تبقى قيم المحبة والتسامح والتآخي راسخة في المجتمع الأردني، وأن تستعيد الحارات دفأها القديم، حين كان المسلم والمسيحي يتقاسمان تفاصيل الحياة اليومية، وحين كانت الأعياد مناسبة تجمع الجميع، لا سبباً للفرقة.
وتختتم رسالتها بنداء تختصر فيه حنين المغتربين إلى وطن لا يريدونه أن يتغير في جوهره، ولا أن يفقد صورته التي عرفوها في طفولتهم:
«سيدي أبو حسين، مصابنا جلل وجرحنا بوجع. بترجاك من قلب بنت أردنية متغربة عن الوطن، رجّعلي أجواء حارتي، ومحبة حارتي، ودفا حارتي. رجّعلي أعيادنا الوحدة، وصحون الكعك اللي بتلف من بيت لبيت. اشتقت… اشتقت لطلة الهلال يحضن الصليب».
تروي ريما حكاية طفولتها في حارة أردنية بمحافظة الزرقاء، كان بيت عائلتها المسيحي الوحيد فيها، لكنها لم تشعر يوماً بأنها غريبة عن محيطها؛ فقد تربّت بين إخوة وأخوات من المسلمين، وتعلّمت منذ صغرها أن الجيرة والأخوّة والانتماء للوطن أكبر من أي اختلاف ديني.
تقول في رسالتها، بلهجتها الأردنية التي تختصر حكاية جيل كامل:
«تربّيت أصحى على صوت المؤذن وأنام على صوت المؤذن. طلعت من حارة بعرف فيها إخوان إلي أسماؤهم حسن وفاطمة ويسرى وعمر وأحمد ودرويش. يعني يا سيدي، خلطة غريبة، كوكتيل بنت إسلامية على مسيحية».
وتستعيد ريما مشاهد من طفولتها، حين كانت تساعد جارتها ميسون، ابنة أم حسن، في الوضوء، وتفرش معها سجادة الصلاة، ثم تنتظرها حتى تنتهي لتلعبا معاً. كانت تطلب منها أن تدعو لها بالنجاح في امتحان التوجيهي، في مشهد بسيط، لكنه يحمل معنى عميقاً عن مجتمع لم تكن فيه الاختلافات الدينية حواجز بين الأطفال أو العائلات.
وتتذكر أيضاً مواسم الحج والعمرة، وكيف كانت تنتظر عودة جارتها أم أدهم من السعودية، على أمل أن تحضر لها ماء زمزم والحلوى. وكان والدها، العائد من عمله في الجيش، يتلقى تذكير والدتها بموعد عودة الجيران من الحج، فيبادر إلى تزيين مدخل البيت وقصّ أغصان النخيل استعداداً لاستقبالهم.
أما الأعياد، فكانت حكاية أخرى من حكايات المحبة؛ ففي عيد الميلاد، كانت ريما تحمل صحون الكعك والبيض الملوّن وتوزعها على بيوت الحارة، وفي عيد الأضحى كانت تشارك أبناء الجيران فرحتهم. وحتى شهر رمضان، كان له في بيت عائلتها طقوسه الخاصة، رغم أنهم لم يكونوا صائمين؛ إذ كان والدها يمنع أبناءه من الأكل والشرب احتراماً لجيرانهم الصائمين، فيما كانت والدتها تعدّ سفرة رمضانية تجمعهم في أجواء من الدفء والفرح عند سماع مدفع الإفطار.
وتقول ريما إن أبناء الحارة كانوا إخوة وأخوات، وإن خلافات الأطفال كانت تنتهي أحياناً بتدخل الجارات، اللواتي كنّ يعاملن أبناء الجيران كما يعاملن أبناءهن، من دون تمييز أو حسابات.
لكن الرسالة لا تقف عند حدود الحنين إلى الماضي؛ إذ تحمل وجعاً شخصياً عميقاً، بعدما فقدت ريما شقيقها طلال في الولايات المتحدة قبل شهرين، إثر إصابته بمرض السرطان. وتقول إن والدها أطلق على شقيقها اسم طلال تيمناً باسم والد الملك الراحل الحسين بن طلال، وإن ألم الفقد لم يكن قد هدأ بعد، حتى جاءتها أخبار الهجوم الذي أودى بحياة تسعة شبان أردنيين، وفق ما ورد في رسالتها.
وهنا تنتقل ريما من سرطان الجسد إلى ما تصفه بسرطان أخطر يهدد المجتمع، قائلة إن السرطان الحقيقي الذي تخشاه على وطنها هو «سرطان العنصرية والتطرف والتكفير».
وتحذّر من أن التساهل مع خطاب الكراهية، والانشغال بتصنيف الناس وفق دياناتهم، وتحويل مظاهر التعايش البسيطة إلى أسئلة خلافية حول جواز التهنئة بالأعياد أو التعاطف مع الموتى، كلها مؤشرات تثير القلق على مستقبل المجتمع الأردني، إذا تُركت من دون مواجهة.
وتقول في رسالتها: «يا سيدي أبو حسين، خايفة الفاس توقع بالراس. بشتاق للأردن، بس هلا صرت أخاف أشتاق. خايفة الأردن يقلب أفغانستان، خايفة على حارات بلادي، خايفة على أرضي وهواء بلادي».
وتناشد ريما جلالة الملك أن تبقى قيم المحبة والتسامح والتآخي راسخة في المجتمع الأردني، وأن تستعيد الحارات دفأها القديم، حين كان المسلم والمسيحي يتقاسمان تفاصيل الحياة اليومية، وحين كانت الأعياد مناسبة تجمع الجميع، لا سبباً للفرقة.
وتختتم رسالتها بنداء تختصر فيه حنين المغتربين إلى وطن لا يريدونه أن يتغير في جوهره، ولا أن يفقد صورته التي عرفوها في طفولتهم:
«سيدي أبو حسين، مصابنا جلل وجرحنا بوجع. بترجاك من قلب بنت أردنية متغربة عن الوطن، رجّعلي أجواء حارتي، ومحبة حارتي، ودفا حارتي. رجّعلي أعيادنا الوحدة، وصحون الكعك اللي بتلف من بيت لبيت. اشتقت… اشتقت لطلة الهلال يحضن الصليب».
إقرأ ايضاَ
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات