ماهر البطوش يكتب: لا تجعل أنفاسك مصدر أذى لغيرك

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 7152
ماهر البطوش يكتب: لا تجعل أنفاسك مصدر أذى لغيرك
ماهر البطوش

ماهر البطوش

صحتك مسؤوليتك، وصحة من حولك أمانة في عنقك. بهذه القاعدة ينبغي أن نزن سلوكياتنا اليومية، وأن ندرك أن احترام حق الإنسان في السلامة والصحة لا يقل أهمية عن احترام سائر حقوقه. فالمجتمعات الواعية لا تُبنى بالأنظمة والتشريعات وحدها، بل تقوم أيضاً على ضمير حي يدرك فيه كل فرد أن سلوكه مهما بدا بسيطاً قد يؤثر في حياة الآخرين.

أن تصاب بالرشح أو الإنفلونزا أو أي عدوى تنفسية أخرى، فهذا أمر لا يستدعي اللوم؛ فالمرض قد يصيب أي إنسان دون اختيار منه. لكن الخطأ الحقيقي يكمن في الاستهانة باحتمال نقل العدوى إلى الآخرين. أن تعلم أنك مريض ثم تتوجه إلى الأماكن العامة أو القاعات الجامعية أو المساجد أو أماكن العمل، وتخالط الآخرين دون اتخاذ الاحتياطات المناسبة، يعني أنك تتجاهل خطراً قد تكون له عواقب لا تعرفها، وتعرّض أشخاصاً لا تعلم ظروفهم الصحية لاحتمال الإصابة بالعدوى.

المشكلة ليست في أن تمرض، بل في أن تعرف أنك مريض، وتستهين بواجبك في حماية الآخرين. فعندما تدخل قاعة المحاضرات وتجلس إلى جانب زملائك لساعات وأنت تعاني أعراض العدوى، فإنك قد تعرّضهم للإصابة دون أن تدرك حجم الضرر المحتمل. والأمر ذاته ينطبق على الحافلات ووسائل النقل العام، ومكاتب العمل، وقاعات الانتظار، والأسواق، وسائر الأماكن العامة التي يتشارك فيها الناس المساحات المغلقة.

وكذلك حين تذهب إلى المسجد للصلاة، وتقف كتفاً إلى كتف مع المصلين وأنت تعاني أعراض العدوى، دون مراعاة الاحتياطات اللازمة، فإنك لا تعرّض نفسك وحدك للخطر، بل قد تعرّض من حولك للعدوى أيضاً. فالعبادة التي تقوم على الرحمة ومراعاة حقوق الآخرين لا تنفصل عن مسؤوليتنا الأخلاقية تجاه صحتهم وسلامتهم. واحترام المصلين لا يقتصر على الوقوف إلى جانبهم، بل يشمل الحرص على عدم تعريضهم لضرر يمكن تجنبه.

تذكّر أن الشخص الذي يجلس بجوارك في الحافلة، أو يشاركك قاعة المحاضرات، أو يصلي إلى جانبك، قد يعاني مرضاً مزمناً أو ضعفاً في المناعة، أو يخضع لعلاج يؤثر في قدرته على مقاومة العدوى. وما تراه أنت رشحاً بسيطاً أو إنفلونزا عابرة قد يؤدي لديه إلى مضاعفات صحية خطيرة. فقد تتعافى خلال أيام وتعود إلى حياتك الطبيعية، بينما يواجه هو معاناة كان من الممكن تقليل احتمال حدوثها باتخاذ احتياطات بسيطة.

وهنا تتجلى المسؤولية الإنسانية؛ فحين تقدم راحتك الشخصية على سلامة الآخرين، وتتجاهل الوقاية رغم إدراكك لأهميتها، فإنك تتصرف بطريقة تفتقر إلى المسؤولية والرحمة. ومن المؤسف أن ينظر بعض الناس إلى ارتداء الكمامة باستغراب أو سخرية، مع أنها وسيلة وقائية قد تحد من انتقال العدوى، وتعكس وعي الإنسان واحترامه لمن حوله. فحريتك في الحركة لا تعني تجاهل حق الآخرين في الصحة والسلامة.

ولا يهدف هذا الكلام إلى تخويف المرضى أو لومهم لمجرد إصابتهم؛ فالمريض يستحق التعاطف والرعاية والدعم. لكن التعاطف لا يعني تبرير الاستهانة بالوقاية. فإذا ظهرت عليك أعراض العدوى، فالأفضل أن تبقى في المنزل متى أمكن، وأن تتجنب المخالطة القريبة، ولا سيما للأشخاص الأكثر عرضة للمضاعفات. وإذا اضطررت إلى الخروج، فارتدِ الكمامة، وراعِ المسافة المناسبة، والتزم بالإرشادات الصحية.

إن ثقافة الوقاية لا تحتاج إلى قرارات معقدة بقدر ما تحتاج إلى ضمير حي ووعي حقيقي. وقبل أن تغادر منزلك وأنت تعاني أعراض المرض، اسأل نفسك: هل يمكن أن أتسبب في نقل العدوى إلى غيري؟ وهل أستطيع اتخاذ خطوات تقلل هذا الاحتمال؟ إن التفكير في هذين السؤالين قد يحمي أشخاصاً لا تعرف ظروفهم، ولا تدرك ما قد تعنيه لهم هذه العدوى.

رسالتي إليك: لا تستهِن بأعراضك، ولا تجعل حضورك في الجامعة أو المسجد أو العمل أو أي مكان عام سبباً في تعريض الآخرين للعدوى. راعِ كبار السن، والأشخاص الذين يعانون أمراضاً مزمنة أو ضعفاً في المناعة، وتذكّر أن الرحمة ليست شعارات نرددها، بل سلوك عملي يظهر حين نحمي الآخرين، حتى أولئك الذين لا نعرفهم.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم