الشيخ ماجد ابوفرج الفرجات يكتب: الطلقة لها زناد… والفتنة لها كبسة مشاركة!

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 16911
الشيخ ماجد ابوفرج الفرجات يكتب: الطلقة لها زناد… والفتنة لها كبسة مشاركة!
الشيخ ماجد ابو فرج الفرجات

الشيخ ماجد ابو فرج الفرجات

كيف تصنع وسائل التواصل أبطالًا من المفسدين وتُسكت أصوات المصلحين؟

الطلقة لها زناد يفجّرها، والفتنة في هذا الزمان لا تحتاج إلا إلى كبسة مشاركة أو إعجاب! وبين الزناد والكبسة قد تُزهق أرواح، وتُهدم بيوت، وتتمزق مجتمعات، ويُستبدل بالأمن خوف، وبالمحبة كراهية.

لقد تحولت بعض وسائل التواصل الاجتماعي من جسور للتعارف والتفاهم إلى منصات لترويج الفتن، وتضخيم الأكاذيب، وتلميع أصحاب الأصوات الصاخبة، حتى أصبح المفسد يجد من يصفق له، والمحرّض يجد من يروّج له، وصاحب الكلمة المتزنة يجد نفسه محاصرًا بين ضجيج الجهلة وسيل الاتهامات.

المأساة ليست أن يتكلم المفسد، بل أن يجد ملايين الألسنة تنطق بكلامه، وآلاف الأصابع تنشر فتنته، دون أن يسأل أصحابها: هل نتحقق مما ننشر، أم نشارك في جريمة لا نعرف عواقبها؟

وكم من كلمة أشعلت عداوة، وكم من صورة اجتزئت من سياقها فشوّهت حقيقة، وكم من شائعة سبقت التحقيق، فحوّلت الأبرياء إلى متهمين، وأشعلت في النفوس نارًا لا تطفئها آلاف الاعتذارات. وهكذا يُصنع البطل الوهمي من صاحب خطاب متطرف، ويُهمَّش المصلح لأنه لا يصرخ، ولا يشتم، ولا يبيع للناس أوهامًا تُرضي أهواءهم.

ولعل أخطر ما في هذه المنصات أنها تمنح الشهرة لمن يثير الغضب، لا لمن يقدم الحلول؛ وتكافئ من يزرع الانقسام، لا من يجمع القلوب؛ وتجعل عدد الإعجابات مقياسًا زائفًا للصواب، مع أن الحقيقة لا تُقاس بعدد المشاركات، والباطل لا يصبح حقًا إذا تناقلته الملايين.

جريمة الأردن… جرس إنذار للجميع

لقد جاءت الجريمة الإرهابية التي شهدتها محافظة الكرك يوم 23 تشرين الأول 2026، باستهداف مشيّعين في كنيسة خلال مراسم جنازة، لتضعنا أمام فاجعة إنسانية ووطنية لا يجوز أن تمر دون مراجعة عميقة. فقد سقط ضحايا أبرياء، وامتد الألم إلى أسرهم وإلى المجتمع الأردني كله. وقد أعلنت السلطات ارتفاع حصيلة الوفيات الى تسعة.

إن استهداف الإنسان في مكان عبادته، وفي لحظة وداعه لميته، ليس اعتداءً على أفراد فحسب، بل اعتداء على حرمة الإنسان، وعلى أمن المجتمع، وعلى تاريخ من العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين في الأردن.

وهنا يأتي دور وسائل التواصل، بما تحمله من مسؤولية عظيمة. فليس من المقبول أن تتحول الفاجعة إلى سوق للشائعات، أو أن تُستغل دماء الضحايا لإشعال الكراهية، أو أن يتسابق الناس إلى نشر صور الضحايا ومشاهد الألم بحثًا عن المشاهدات. وقد حذرت الجهات الرسمية بالفعل من الشائعات ومن تداول صور المصابين والضحايا بما يمس كرامتهم.
ولا يجوز أن ننسب الجريمة إلى جماعة أو فئة أو دين دون دليل وتحقيق؛ فالمسؤولية تقع على مرتكبيها ومن تثبت مشاركته أو تحريضه وفق القانون، لا على جماعات بأكملها. إن العدل الذي نطالب به للضحايا يبدأ من رفض الظلم، حتى في الكلام.

من يضغط زر المشاركة يتحمل مسؤولية

إننا بحاجة إلى ثقافة جديدة في التعامل مع هذه الوسائل، ثقافة تجعل التثبت واجبًا، والامتناع عن نشر الفتنة موقفًا شجاعًا، والدفاع عن الحقيقة مسؤولية أخلاقية.

قبل أن تضغط زر المشاركة، اسأل نفسك: هل ما أنشره حقيقة أم شائعة؟ هل يطفئ نارًا أم يزيدها اشتعالًا؟ هل ينصر مظلومًا أم يفتح بابًا لظلم جديد؟ وهل أقبل أن يكون أبنائي أو أهلي ضحايا لكلمة طائشة كتلك التي أريد نشرها؟

إن الإصلاح لا يكون بالصمت عن الجريمة، بل بكشفها بالدليل، ومحاسبة مرتكبيها بالعدل، ورفض الفكر الذي يبرر الاعتداء، وحماية المجتمع من كل خطاب يحوّل الاختلاف إلى عداوة، والإنسان إلى هدف.

يا أبناء الأردن، إن وحدتنا ليست شعارًا نرفعه في الأزمات ثم ننساه، بل عهد نحمله في بيوتنا ومساجدنا وكنائسنا ومدارسنا ومنصاتنا الإلكترونية. لا تسمحوا لمجرم أن يسرق منكم وطنًا بناه الآباء على الأخوة والكرامة، ولا تجعلوا من أصابعكم أدوات لنشر سمومه.

فالطلقة قد تقتل إنسانًا، أما الفتنة فقد تسمّم قلوب أجيال. والرصاصة يُعرف مطلقها، أما الشائعة فقد يطلقها مجهول، ويحملها ألف إنسان لا يدركون أنهم صاروا جزءًا من الخطر.

فلنرفع شأن المصلح، ولنحاصر خطاب الكراهية بالوعي والحجة والقانون، ولنمنح الحقيقة فرصة لتصل قبل الشائعة.

فليس كل ما يُنشر يستحق المشاركة، وليس كل من تصدّر المشهد يستحق التصفيق، وليس كل من صرخ باسم الحق كان من أهله.

إن أوطاننا لا يحميها السلاح وحده؛ يحميها أيضًا عقل يرفض التضليل، ولسان يرفض التحريض، وإصبع يعرف متى يضغط زر المشاركة، ومتى يكون الامتناع عن الضغط أصدق صور الوطنية.

فالزناد مسؤولية، والكلمة مسؤولية، وحتى كبسة الإعجاب قد تكون موقفًا أخلاقيًا لا يجوز الاستهانة به
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم